103 - أوليفر (2)
“…ما الأمر، يا رجل.” حيّيته بابتسامة خفيفة وأنا أنظر إليه.
“…لا توجد مبارزة اليوم؟” سأل، وعيناه البنيتان مملوءتان بالارتباك.
“…أنت دائمًا تصل في الوقت. لماذا تأخرت اليوم؟”
…صحيح.
لقد مرّت شهور وأنا أتبارز مع هذا الرجل.
ويجب أن أعترف، إنه وحش حين يتعلق الأمر بالقتال.
حتى وإن كان ذلك بفضل البركة التي يحملها، فهذا لا يُغير من حقيقة أنه تقريبًا دائمًا يهزمني.
“…ليس اليوم فقط.” أجبت وأنا أرفع كتفيّ. “…لستُ على ما يرام.”
“…هل أنت بخير؟” سأل، ينظر إليّ بقلق. “…إن كنت بحاجة لأي مساعـ—”
“…أنا بخير.” قاطعته، ملوّحًا بيدي وأنا أتابع طريقي نحو غرفتي. “…لا بأس، سأكون بخير بعد قليل من الراحة.”
“…إذن أراك في الصف.” قال بينما كنت أبتعد.
“…نعم.” لوّحت له بيدي بينما دخلت غرفتي.
إيثان فارون .
لا أعلم لماذا، لكن هناك شيء لا يبدو صائبًا بشأن هذا الرجل.
…يبدو كأي شخص عادي، لكن بعد قضاء وقت معه، شعرت بشيء مظلم… شعور غامض يُحيط به.
…كأنه يُخفي حقدًا وغضبًا داخله، يُصارع نفسه باستمرار حتى لا يُظهر ذلك للآخرين.
…وليس هذا فقط، بل طريقة نظره إلى كريستينا تُزعجني.
ربما يُعجب بها.
لكن ما لم يُفسد آزاريا كل شيء بشدة، فلا يوجد احتمال أن تنظر له حتى.
…ربما يجب أن أقنعه بالتخلي عنها.
…أتمنى أن يكون كل هذا مجرد مبالغة مني.
على أي حال، كنت لأحب أن أتدرب مع آزاريا إن كان ممكنًا، لكن ذلك الحقير يتدرب يوميًا مع الأستاذة لورين .
…اللعين ترك أصدقاءه فقط ليتدرب معها.
“في الواقع… كنت سأفعل الشيء نفسه على الأرجح.” تمتمت وأنا أُخرج الزيّ الرسمي وأضعه على السرير.
…
بل دعك من الأرجح، كنت سأتركه فورًا لأتدرب مع أستاذة جميلة.
“…همم؟”
اقتربت من المرآة، ونظرت إلى يدي اليمنى التي احمرّت قليلًا لسببٍ ما.
…ما الذي يحدث؟
“…على الأرجح ستتحسن.”
تجاهلت الأمر، ودخلت الحمام وأنا أخلع ملابسي في الطريق.
فتحت الماء البارد، وتركته يتساقط على جسدي بينما أغمضت عينيّ.
…آمل أن لا يحدث شيء خاطئ اليوم.
…
…
…
“أوي، أوليفر.”
ما إن خرجت مستعدًا للصف، حتى وجدت إيمار واقفًا أمام غرفتي.
“…ما الأمر؟” سألته، متجهًا نحوه.
“… ميلي كانت تحتاج بعض المساعدة بعد الدروس، لذا لن أكون متفرغًا هذا المساء.” قال مبتسمًا بفخر، وهو يمشي إلى جانبي.
…هل يتفاخر أمامي؟
“…لا بأس.” رددت دون أن أولي الأمر اهتمامًا كبيرًا. “…اتصل بي إن احتجت شيئًا.”
“شكرًا، أخي.” ابتسم، وهزّ رأسه.
خرجنا من مبنى السكن، وما إن خطونا خارجه حتى ظهر وجه وسيم بشكل مزعج.
“…يو.” حيانا آزاريا .
“…ما زلت حيًا؟” سألته بابتسامة ساخرة.
“…نعم.” ردّ وهو يقترب مني. “…على أي حال، هل هناك شيء على وجهي؟ بعض الفتيات ينظرن إليّ بنظرات غريبة.”
“…همم… دعني أرى.” قال إيمار وهو يتفحص وجهه بعينين ضيقتين. “…لا، يبدو طبيعيًا تمامًا.”
“…فهمت.” أومأ آزاريا. “…ربما كنّ ينظرن لشخص آخر إذًا.”
“…”
…هل هما غبيّان؟
…ألا يريان أن وجهه أصبح أجمل من السابق؟
“…هل فكرت يومًا أن السبب أنك أصبحت وسيمًا؟” لم أستطع إلا أن أطرح السؤال عليه.
“…يا أخي، مهما أصبحت وسيمًا، سأظل أكثر شخص حقير في الوجود.” قال وهو يرفع كتفيه وكأنه مؤمن تمامًا أن لا أحد يمكن أن يُحبه.
“…حسنًا.”
…لا فائدة من مجادلة أحمق.
لكن…
“…أنت لست الأسوأ.” قلت وأنا أضحك بخفة وأبعثر شعره.
“…اللعنة، لا تلمس شعري.” أبعد يدي وهو يرمقني بنظرة حادة.
ابتسمت ورفعت إصبعي الأوسط في وجهه. “…ماذا ستفعل، أيها الذليل؟”
“…قابلني بعد الصف.” قال بابتسامة باردة ونظرة حادة.
“…في غرفتي؟” رددت بابتسامة مغازلة.
“…إذًا في غرفتك.” أومأ برأسه وازدادت ابتسامته برودة. “…سأريك من هو الأب الحقيقي.”
“…أوه، الآن ستُري أبي أوليفر من هو الأب؟” سخرت منه وأنا أحدق فيه.
“تعلمان… أستطيع أن أوفر لكم واقيًا إذا أردتما—”
“”انقلع.””
شتمنا معًا ونحن ننظر إلى إيمار .
“…حسنًا، لا تتصرفوا وكأنكما ستقومان بالفعل إذًا.” تمتم وهو يرمقنا، “…على أي حال، صفي هنا. أراكم لاحقًا.”
“…..”
“…..”
تابعنا السير بصمت، ولم يدم ذلك طويلًا حتى وصلنا إلى الصف.
“… آزاريا!! ”
وما إن دخلنا حتى استقبلتنا بصوتٍ متحمس فتاة بشعر كراميلي، اندفعت نحوه بسرعة.
“…علمني كيف أستخدم حجر الشعيرة!” صاحت وهي تُمسك يده بكلتا يديها وتغزو مساحته الشخصية.
“…حسنًا.”
…ذلك المسكين لم يكن يملك خيارًا، فأومأ على مضض وتراجع خطوة للخلف.
“هيا بنا.”
…ثم جرّته فعليًا نحو مقعدها، بينما سرت خلفهما ببطء.
آشيلين …
…لا أحبها.
حتى لو كنت أعلم أن ما حصل مع آزاريا لم يكن خطأها… لا زلت لا أحبها.
…كيف لها أن تنسى ما حصل بهذه السهولة؟
…ما زلت أذكره، ذلك الجرح القذر في ظهره.
…تلك الأنسجة الممزقة، وشظايا العظام—أذكرها كلها، وإن بشكل باهت.
كيف، رغم اقترابه من الموت، حملها وهو يركض بها نحو بر الأمان.
…وكل ما استطعت فعله هو الوقوف… ضعيفًا جدًا… خائفًا جدًا لأتحرك.
…هززت رأسي لأطرد تلك الأفكار السوداء، وجلست بجانبه.
…كان يشرح لـ آشيلين عن دوائر السحر الضوئي.
…ما زلت لا أفهم لماذا لا يخبرها أنه هو نواه .
…ربما يخشى أن يُحب.
…وإن كان هذا السبب، فأنا لا ألومه.
…فالحب أمر مخيف، وحتى أنا لا أرغب أن يُحبني أحد.
…لكنني سعيد على الأقل أن كريستينا تهتم به الآن، وهو لم يعُد يحاول صعقها كما في السابق.
لأنّه… رغم أنّه لا يُظهر ذلك أبدًا، إلا أنني أستطيع أن أشعر بأنه عانى كثيرًا.
…إنه ألطف من أي شخص آخر عرفته.
“هيه، آزاريا.” ناديته ما إن ابتعدت آشيلين نحو ميلي.
“ماذا؟” سأل وهو يُلقي نظرة نحوي.
“…تزوجني.” تفوّهت دون تفكير.
اللعنة…
…لماذا قلت ذلك؟
“…انقلع، أيها الحقير.” أجاب، وقد ارتسمت على وجهه ملامح اشمئزاز.
حسنًا…
…فلنُجب بشكل طبيعي الآن.
“…خسارتك.” رددت بابتسامة خفيفة. “…أنا أستطيع الانحناء كثيرًا.”
“…..”
…ذلك بدا مثليًا، أليس كذلك؟
…اللعنة، أنا مستقيم.
…يجب أن أغازل آليا أكثر.
“…أجل، إذًا اذهب وأخبر آليا بذلك.” علّق بنبرة حادة جعلتني أرتجف.
تحوّل وجهي إلى الجدية وأنا أنظر إليه. “…آزاريا، أنت تعلم بالفعل عن وضعي العائلي—”
“…وماذا في ذلك؟” سخر وهو ينظر للأمام. “…ليس وكأن آليا ستكون عبئًا عليك… لا أرى منها سوى الدعم.”
“…أنت آخر شخص أريد أن أسمع منه هذا النوع من النصائح.” رددت وأنا أرمقه بنظرات حادة.
“…..”
صمت، وهو يحدق للأمام.
“…إذًا توقف عن مغازلتها.” تمتم بنعومة دون أن يلتفت إليّ. “…لا تُعطها أملًا بأنك ستبادلها الحب.”
“…..”
والآن جاء دوري للصمت.
…ليس لدي شيء ضدها. أنا أحب وجودها؛ إنها لطيفة وحنونة، ناهيك عن أنها جميلة أيضًا.
لكن…
…أفضل أن لا أخاطر بحياتها بسببي.
“…بالمناسبة.” تمتمت وأنا أنظر إليه. “…أليست اختبارات اختيار الفريق لمسابقة النادي ستبدأ قريبًا؟”
“….أجل.” رد وهو يرمقني، “ابتداءً من الأسبوع القادم.”
“…إذًا، أي فريق تُريد الانضمام إليه؟”
“…أي فريق غير فريق كريستينا.” أجاب، وملامح الامتعاض تعلو وجهه.
“…”
أسحب كلامي.
هذا الأحمق لا يزال يحاول تجنّب كريستينا.
“…الآن وقد تذكّرت.” تمتم وهو ينظر إلى يدي كأن شيئًا طرأ في ذهنه، “…كيف حالك؟”
“..ماذا تقصد؟” سألت بينما بدأت أشعر بألم لاذع في ذراعي اليمنى.
“…نسيت، أليس كذلك؟” سأل وهو يتقدّم نحوي، يُخرج من جيبه منديلاً.
“…أحمق.”
“…ماذا تفعل؟” سألته وأنا أحدّق فيه بغضب، بينما أمسك بيدي وبدأ يلفّ المنديل حولها.
“…ستعرف قريبًا.” أجاب بابتسامة، بينما بدأ الألم في ذراعي يزداد بشكل رهيب.
“…آآهغ.” شهقت بألم مكتوم بينما بدأت يدي تتحول إلى اللون الأزرق.
وفي اللحظة نفسها، بدأت كل المانا في جسدي تتدفّق نحو يدي.
“…هيه، آزاريا.” سألته من بين أسناني المشدودة، وأنا أحدق فيه، “…ما الذي يحدث؟”
“…لا تقلق.” أجاب بابتسامة ناعمة وبنبرة هادئة، “…إن متّ، أعدك أنني سأحذف سجل متصفحك.”
“…اللعنة.” تأوهت بألم، وجسدي بأكمله بدأ يرتعش قبل أن تبدأ وعيي بالتلاشي.
و…
…آخر شيء رأيته كان وشمًا فضيًا رماديًا بدأ يتشكّل على يدي.
..
م.م: ميلي..