201 - تذكر
تفاجأ لوميان، اتسعت عيناه في مفاجأة وهو ينظر إلى المقعد الشاغر مقابله. قال بنبرة مهذبة، “أهلاً.”
في تلك اللحظة، أومضت ذكرى من أخته أورور في ذهنه. لقد ذكرت ذات مرة عبارة مثيرة للاهتمام: استشارة الخبراء!
‘على الرغم من أنني لست محاطًا بالكامل بأطباء نفسانيين غير مرئيين، إلا أنه يوجد اثنين منهما، ولا يمكنني اكتشافهما أيضًا…’ تمتم لوميان داخليًا.
صمتت المرأة الجالسة أمامه، بينما اتخذ صوت سوزي نبرة أكثر استرخاءً وخفة.
“يبدو أن الصحيفة تركت انطباعا دائما لديك. أيعني ذلك أنه كان لها تأثير إيجابي؟”
“نعم”. أجاب لوميان بصراحة.
لقد وصل إلى نقطة إستطاع فيها مواجهة الاضطراب العاطفي بداخله بدلاً من دفنه في أعماقه. وإلا، لكان قد حاول تجنب أي لقاءات مع فرانكا ‘الأحذية الحمراء’، لأنها قامت دائمًا بذكر أورور.
وبطبيعة الحال، أثار ذلك موجات شديدة من المشاعر.
أعادت سوزي بمهارة توجيه المحادثة إلى مسارها الأصلي.
“إذا رغبت في إجراء المزيد من التحقيق في أي مصادفات غير عادية حدثت خلال هذه الفترة وتحديد مصادرها الأساسية، فيمكنني مساعدتك.”
“لن أتعمق مباشرة في ذكرياتك، ولكن يمكنني إيقاظها جميعًا وتقديمها بتسلسلها الزمني أمام عينيك. وبالطبع، ذلك يستثني تلك المخبأة في أعماق عقلك الباطن. إنها تشكل خطرًا كبيرًا للغاية.” أوضحت سوزي.
“هل أنت مستعد لمحاولة إعطائها فرصة؟”
لم يتردد لوميان للحظة.
“نعم.”
كلما لاحظ أي مصادفة من حوله، سيتذكر عادةً تجاربه الأخيرة ويدقق في التفاصيل المقابلة لها بدقة. والآن، لم يقم إلا لالتحول لطريقة أكثر فعالية.
“استلقي بالكامل على الأريكة، استرخي، وأغمض عينيك…” وصل صوت سوزي اللطيف إلى أذني لوميان ببطء.
تماما عندما قام بتعديل وضعية جلوسه واستعد لتهدئة عقله وإغلاق عينيه، اندلع ‘ثوران بركاني’ مفاجئ داخل أفكاره.
لقد فاجأه هذا ‘الهجوم’ غير المتوقع، مما ترك عقله الباطن غير قادر على حمايته بشكل فعال.
انفجرت الصهارة والدخان مثل البقع المضيئة، كل منها يحتوي على مشهد مميز.
رتبت النقاط المتوهجة نفسها ترتيبًا زمنيًا، مما أعطى لوميان إحساس مشاهدة مسرحية مع نفسه كالشخصية الرئيسية.
لقد تكشفت بشكل ضبابي، ومع ذلك ظلت كل التفاصيل حية وكاملة.
مع ارتفاع درجة الحرارة، تسارع عقل لوميان، مهددًا بإطلاق خصلات من الدخان الأبيض.
لقد شهد كل مشهد وتذكر كل التفاصيل، رابطا إيها بمهارة وبحث عن أي شذوذ.
فجأة، تشكل عبوس على جبينه، وتمتم في ألم، “لقد أدركت- لقد أدركت أن الذكرى قبل عودتي إلى فندق نزل الديك الذهبي بعد صلاتي من أجل هبة قد اختفت!”
اتسعت عيون لوميان، وإلتوت ملامح وجهه في قلق واضح.
الذاكرة التي كان ينبغي أن تكون موجودة قد أصبحت الآن فارغة!
في تلك اللحظة، تردد صوت أنثوي لطيف في ذهنه.
“هل اختفت حقا أم نسيتها أو تغافلت عنها؟” تحدثت السيدة الجالسة مقابله، نبرتها خالية من بهجتها السابقة.
كالصاعقة، أضاء عقل لوميان، ملقيا ضوءًا في أحلك شقوق لاوعيه.
أصبح تعبير لوميان متألمًا بشكل متزايد، ولم يستطع إلا أن يحني رأسه بينما كافح ليقول، “أنا-أراه، أراه…
“كنت أتحدث مع الملاك المختوم بداخلي!
“إسـ- اسمه تيرميبوروس!”
أخيرًا، تذكر لوميان شيئًا قد غاب عن ذاكرته.
كان الفساد الموجود داخل صدره الأيسر، في جوهره، ملاكًا أمن بالحتمية- تيرميبوروس!
في البداية، نوى طلب التوجيه من السيدة الساحر حول كيفية تسخير قوى الملاك وتجنب أي عواقب سلبية محتملة، لكنه نسي ذلك تمامًا.
“أذلك هو الفساد المختوم داخل جسدك؟” بدا رد فعل سوزي غير متفاجئ، حيث حافظ صوتها على سلوك هادئ.
زفر لوميان بشكل غريزي، حيث وصلت أطراف أصابعه إلى جبهته، المبللة بالفعل بالعرق البارد.
أجاب بصدق، “نعم، لقد حاول أن يغريني لمساعدته في الهروب من الختم، لكنني رفضت. وبعد ذلك، نسيت ببساطة”.
“هذا حقا… حقا غريب…”
‘لا يمكن إنكار ختم تيرميبوروس داخل جسدي ولا يمكنه أن يتحرر، ومع ذلك فقد تأثرت به دون قصد!’
“ذلك أمر متوقع. يجب ألا يقلل المرء من شأن أي ملاك، حتى عندما يكون مختوم،” قدمت سوزي تفسيراً لتهدئة مخاوف لوميان الفورية.
كان المجهول دائمًا هو الأكثر رعبًا.
تابعت، “في العصور القديمة، تمت الإشارة إلى الملائكة على أنهم آلهة فرعية أيضا. يعني ذلك أنهم يمتلكون جوهر الألوهية. حتى مختومين، يمكنهم ممارسة تأثير معين على العالم الخارجي من خلال وسائل مختلفة.
“هل إعتقدت أنه، مع ختم الكيان العظيم، فإن الفساد في صدرك أقرب إلى الهبة؟ طالما تتبعت الإجراءات الصحيحة في المراحل المناسبة، يجب ألا تواجه أي مشاكل باستثناء تحمل المزيد من الألم وإحتمال خطر معين بفقدان السيطرة.”
صمت لوميان مدركًا أنه قد راودته أفكار مماثلة مؤخرًا.
“يجب أن تتذكر أنه في مثل هذه الأمور، فإن قوة اللعنة لا تقل عن قوة الهبة، إن لم تكن أقوى”، حذرت سوزي. “لا أعرف كيف أثر تيرميبوروس عليك، ولكن نظرًا لإيمانه بالحتمية، أظن أن هدفه الأساسي هو إحداث انحراف في قدرك.
“ومع ذلك، لا داعي للقلق بشكل مفرط. فهو، بعد كل شيء، مختوم، وقدرته على التأثير محدودة إلى حد كبير. من الأن فصاعدا، طالما قيمت حالتك باستمرار وسعيت باستمرار للحصول على إرشادات بشأن أفعالك، يمكنك التحايل إلى حد كبير على هذه المحنة.”
“حسنا.” استعاد لوميان قلمًا وورقة وقام بتدوين ملاحظة على عجل.
تعلقت الملاحظة باستشارة السيدة الساحر بخصوص تيرميبوروس.
لقد خشي الخضوع لتأثير الملاك من مجال الحتمية ونسيان هذه الأمور ذات الصلة بمجرد انتهاء العلاج.
قام لوميان بتخزين قلمه وورقته بعناية، وأطلق زفيرًا بطيئًا.
“الآن بعد أن تذكرت الأحداث المتعلقة بترميبوروس، أشعر براحة أكبر. يبدو أن روحانيتي قد اكتشفت شيئًا ما.”
“أستطيع أن أرى تحسنًا في حالتك العقلية”. أكدت سوزي مؤكدةً مشاعر لوميان.
مستغلًا هذه اللحظة، طرح لوميان سؤالاً، “سيداتي، أتعتقدين أنه قد تم القضاء على سوزانا ماتيس بالكامل من قبل المتجاوزين الرسميين؟ أم يجب أن أواصل البحث عن أدلة في مسرح قفص الحمامة القديم لمنعها من اطلاق هجوم آخر؟”
بإعتبار الوقت، يجب أن يجد السيد إيف، مالك نزل الديك الذهبي، نفسه في حالة يرثى لها قريبًا.
ابتسمت سوزي ابتسامة لطيفة بينما أجابت، “إن مسار المتفرج ليس ضليعًا بالعرافة.”
جالسة مقابل لوميان، إبتسمت السيدة ‘الخفية’ وأضافت “السيدة الساحر خبيرة عرافة. ألم تقدم لك إجابة؟ أو ربما لم تفهم رسالتها الخفية؟”
‘لم تقل شيئًا…’ فكر لوميان للحظة، متذكرًا رد السيدة الساحر فيما يتعلق بسوزانا ماتيس.
وفجأةً تجمد.
أرشدته السيدة الساحر باستمرار حول كيفية حل المشكلة مع سوزانا ماتيس، ولمحت بخفة إلى أنه وجب عليه طلب المساعدة من السيد K.
ومن منظور مختلف، لم تعتبر أبدًا إمكانية أنه قد تم القضاء على سوزانا ماتيس تمامًا!
ومن وجهة نظرها فإن هذا المأزق سوف يعاود الظهور بلا شك!
‘أليس ذلك غامضا جدا؟ أم أنها إفترضت كون ذلك بديهي جدا وفشلت في التأكيد عليه؟’ تمتم لوميان لنفسه، مومئا برأسه في إدراك.
“أنا أعرف الإجابة.”
بينما تحدث لوميان، قام بإجراء اتصال بناءً على الطريقة والسلوك الذي أظهرته الطبيبة النفسانية الجالسو مقابله عندما خاطبت السيدة الساحر.
‘هل يمكن أن يكونوا أيضًا أعضاء في المنظمة السرية التي تستخدم بطاقات التاروت كأسماء رمزية لها؟’
‘ما هي البطاقات التي تتوافق معها؟’
بعد القيام بعض التعديلات، طلب لوميان توضيحًا بشأن حالته العقلية.
“فقط التفكير البسيط في مقابلة لويس لوند يملأني بالقلق والإثارة والأدرينالين. يبدو أنني لا أستطيع السيطرة على مشاعري. هل هذه مشكلة نفسية خطيرة؟”
ردت سوزي بصوت مهدئ، “ذلك في الواقع أمر طبيعي تمامًا. غالبًا ما يُظهر الأشخاص سلوكًا مشابهًا عندما يتعلق الأمر بالأمور التي يهتمون بها بشدة. أنت فقط أكثر حدةً قليلاً من المعتاد.
“لو لم تتفاعل بهذه الطريقة، لقلقت من أنك تواجه مشكلة نفسية أكثر خطورة وقمت بكبت كل مشاعرك.
“ما تحتاج إلى التركيز عليه الآن ليس الخوف أو الإرهاق، بل تعلم كيفية إدارة تلك المشاعر.”
‘طبيعي…’شعر لوميان بالاطمئنان من شرح سوزي، وهدأ قلقه بشأن الأمر المطروح، مما سمح لحالته العقلية بالاستقرار.
تأمل وسأل، “إداراتها؟”
‘كيف يمكنني فعل ذلك؟’
أجابت سوزي، “أبسط طريقة هي تذكير نفسك دائمًا بعدم المبالغة في رد فعلك. كلما شعرت بموجة مماثلة من المشاعر، خذ نفسًا عميقًا وأعثر على هدوئك.
“قد يبدو سهلاً، لكنه في الواقع يمثل تحديًا كبيرًا. عندما تشتعل المشاعر، يصعب على البشر الحفاظ على عقلانيتهم. نادرًا ما يفكرون في السيطرة على أنفسهم. بحلول الوقت الذي يستعيدون فيه رباطة جأشهم، غالبًا ما يجدون أنهم قد ارتكبوا خطأ بالفعل.”
“يمكنني إعداد محفز لك. بمجرد أن تتجاوز ردود أفعالك العاطفية حدًا معينًا، فسوف يذكرك بكلماتي ويساعدك على استعادة عقلانيتك، مما يسمح لك بمحاولة استعادة السيطرة.
“هذا حل مؤقت. على المدى الطويل، سيعتمد على جهودك الخاصة. ومع ذلك، بمجرد أن تعتاد على التفكر الذاتي خلال أوقات الانفعالات المتزايدة، ستصبح المشكلة أكثر قابلية للتحكم.
“هل أنت على استعداد لتجربتها؟”
“حسنا.” ولم يمتلك لوميان أي مخاوف بشأن قبول المساعدة الخارجية.
في مرحلة ما، اتخذ صوت سوزي طابعًا غريبًا ومراوغًا. بدا كما لو أنها قد قالت الكثير، لكن لوميان لم يستطع تذكر كلمة واحدة. الشيء الوحيد الذي استطاع أن يتذكره هو جملتها الختامية، “تم ضبط الزناد. إذا سارت الأمور على ما يرام، فسوف يستمر لأسبوعين، موقت بشكل مثالي لجلستك التالية. عند تلك النقطة، يمكننا أن نقرر ما إذا كنا سنجري أي تعديلات أم لا.”
تقبل لوميان بخفة كلماتها وقام بتقييم حالته العقلية.
وبعد أكثر من عشر ثوانٍ، مملوء بالخوف والترقب، تساءل، “هل من الممكن أن أحاول إيقاظ المزيد من الذكريات المدفونة في عقلي الباطن؟”