775
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 775: جاو شينغ
حينما شاهد والدا لي فينغ رقصة هان فاي، انبعث من ذاكرتهما جرحٌ دفين لم يشفَ، فاستسلما أخيرًا لسرد حكايةٍ لطالما هربا من تذكرها.
قال والد لي فينغ بصوتٍ متهدّج:
“فقدتُ والدتي في طفولتي، وتحمل والدي عبء العائلة على كاهله وحده. لم يكن أحد يقدّر رقصه آنذاك، إذ كان فنه غريبًا عن الذائقة السائدة، فظلّ عالقًا في الأدوار الصغيرة، وكان عنيدًا كمن يرقص عكس التيار. وحين نشب خلاف بينه وبين فرقته، أُجبر على تركها، ليكابد بعدها العمل في وظائف مؤقتة لا تليق بموهبته، فقط ليُطعمنا.”
تنهد الرجل، ثم تابع:
“كنّا فقراء، لا فقر المال فحسب، بل فقر الكرامة والاعتراف. ومع ذلك، علّمنا والدي أن نتمسك بكبريائنا، قائلاً إن من يحيا بكرامة، يحيا في النور. لم يكن راقصًا فقط، بل إنسانًا نبيلًا بحق.”
ثم صمت برهة قبل أن يضيف:
“وذات يوم، انتقل جارٌ جديد إلى الحي. زوجان كفيفان. رأى فيهما والدي قسوة العالم، فمدّ لهما يد العون، وطلب منا نحن الأطفال أن نلعب مع ابنهما الوحيد.”
هنا ارتجف صوته، كأن الاسم الذي نطق به كان لعنة قديمة:
“اسمه كان… جاو شينغ.”
ما إن لفظ الاسم حتى شحب وجهه، وواصل بصوتٍ أشبه بالهمس:
“والد جاو شينغ فقد بصره وأذنه في حادث مروّع وهو شاب، وتزوّج بفتاة وُلدت كفيفة. كانت حياتهما غارقة في ظلمةٍ لا يُرجى انقشاعها، حتى وُلد جاو. أطلقا عليه اسمًا يعني الفرح، لأنه كان شعاع الضوء الوحيد في عالمٍ أعمى. ربّياه كمن يتشبث بأمل سماوي.”
ثم تابع، وقد ارتسمت في عينيه نظرات حزن ممزوجة بالرعب:
“نشأ بين والدين لا يُبصران، فاكتسب حساسية نادرة ووعياً سابقًا لأوانه. كان يصف لهما وجوه أصدقائه، ويصنع تماثيل من الطين ليضعها في يد أبيه، ويملأ المنزل بالزهور ليُعطر لهما الصمت… كان بحق طفلاً مختلفًا.”
“ولأن العمى في تلك الأيام كان يقيّد الإنسان، لم يكن والداه يغادران المنزل إلا مرةً في الأسبوع لبيع سِلالهما اليدوية. في تلك النزهات، كان جاو شينغ هو عيونهما في الزحام. واجه سخرية الناس، وهمزهم، ولم ينسَ شيئًا منها. رأى القبح مبكرًا… وعرف أن عليه أن يُجيد التخفي بين الوجوه، لا أن يشكو.”
قالها الأب ثم أشاح بوجهه، كأنما يتفادى شبح الذكرى:
“دخل المدرسة، وبدأ يتغيّر. غُرِس فيه الخوف من العالم، كما غُرِست فيه الطيبة. رأى الأطفال يتحدثون عن ألعابهم، ولم يكن له شيء. رأى آباءهم يأتون لنجدتهم، بينما يعود هو وحده إلى منزله الأعمى. لم يكن يشتكي، حتى لا يُثقل كاهل والديه. كان يُخفي ألمه بابتسامة.”
تنهد، كأنما الهواء نفسه ثقل على صدره:
“المدرسة التي التحق بها كانت مهملة، ومعلمٌ واحدٌ لا يكفي عدد الأطفال. لا أعلم إن كان تعرض للتنمّر، لكن والديه لم يكونا يملكان ما يكفي لتسجيله في مكان أفضل.”
قال هان فاي متفاجئًا، ونبرة الأسى تعتري صوته:
“يا له من قدرٍ قاتم… لم أكن أتخيل.”
لكنه كان لا يزال يبحث في الظلال عن العقل المدبّر للعصابات الثلاث.
تابع والد لي فينغ بنبرة أكثر كآبة:
“ثم جاء مشروع المدينة الذكية. شُرّد الناس، واحتلت الآلات مكان البشر. لم يعد الكفيفان قادرين على كسب قوت يومهما.”
“حينها، بادر والدي بمساعدتهما. قال إن لديه صِلات مع تجار كبار، ووعد بشراء منتجاتهما شهريًا. لسنوات، ظل أسفل سريري مليئًا بتلك السلال المصنوعة يدويًا. كان يفعل ذلك خفية، دون أن يُشعرهما بالشفقة.”
“ومع الوقت، بدأ حيّنا يفرغ. رحل الناس، وبقيتُ أنا، أراقب التغيرات بصمت. وحين كنت في الثانوية، طرق والدي باب غرفتي ذات ليلة، وقال لي بحزمٍ لم أعهده فيه:
«ابتعد عن عائلة جاو شينغ… سننتقل قريبًا.»
لم أفهم السبب. بدا الأمر غريبًا. وفي اليوم التالي، رأيت جاو شينغ في المدرسة. كان أنحف، وعلى ذراعيه كدمات مخفية تحت الأكمام. لكنه ابتسم لي كعادته، بتلك النظرة التي تحمل من البراءة ما يُذيب القلوب.”
“كنت على وشك أن أتقدم نحوه… لكن كلمات والدي طاردتني، فتراجعت. ولا زلت أذكر نظرة عينيه المكسورة. كنت ربما صديقه الوحيد.”
ثم غامت نظراته وهو يقول:
“بعدها بثلاثة أشهر، مات والداه. قالوا إن لصًا اقتحم البيت وقتلهما أثناء العراك. يوم الجنازة، كان آخر لقاء لي بجاو شينغ.”
“قال لي حينها إنه سيصعد إلى أعلى برجٍ في المدينة، وإن لم يحترمه الناس، سيجعلهم يخافونه. لم أفهم ما كان يقصده، لكنه لم يكن الطفل نفسه.”
“كنت أشفق عليه، لكن والدي كان يكرهه. لم يحضر الجنازة. ثم انتقلنا إلى المدينة الذكية، وانقلب حظنا فجأة. راجت رقصات والدي، وازدهرت حياتنا.”
أمسك والد لي فينغ يد زوجته كأنما يبحث عن ثبات، ثم قال:
“لكن ذات ليلة، قال لي والدي شيئًا رهيبًا…
قال: جاو شينغ هو من قتل والديه. لقد خطّط لكل شيء، وساعد اللص على الهروب.”
اتسعت عينا لي فينغ، فقد كانت تلك أول مرة يسمع هذا الادعاء المخيف.
واصل الأب حديثه وهو يغرق في ظلال الماضي:
“وبعد أيام من هذا الاعتراف، اختفى والدي. وفي اليوم الثالث، وصلنا طرد بالبريد. كان يحتوي على عيونٍ بشرية ورسالة واحدة فقط:
هل فهمتني الآن؟
ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت حياتنا إلى كابوس. كل ما نلمسه يتفتت. كل نجاح ينقلب فشلًا. لم تهدأ الحياة إلا بعد ولادة لي فينغ.”
كان الزوجان لا يريدان الغوص في هذا الماضي المعتم، لكنهما ذُهلا حين أدركا أن هان فاي قد أتقن رقصة الجد.
سأله هان فاي بصوتٍ جاد:
“هل هدّدكم جاو شينغ؟ أتذكر أن الشرطة عرضت المساعدة وقت اختفاء والدك، لكنكم رفضتم.”
أجابه الرجل وقد خفت صوته إلى همسٍ متعب:
“هذا كل ما أستطيع قوله…”
ثم نظر إليه نظرة قاطعة:
“ابتعد عنه. كل من اقترب منه… مات.”
ردّ هان فاي بصرامة:
“سأكون حذرًا.”
لكن الأب انفجر قلقًا:
“أنت لا تفهم! إنه ليس مجرد مجرم! إنه…”
وفجأة، دوّى في المكان صوت تحطّم، كأن إناءً خزفيًا انكسر، فألجم الصمت الجميع.
تابع الأب بعينين مرتجفتين:
“على أي حال، انسَ أمره. لا تبحث عنه، ولا تقترب منه. لو لم تكن أنقذت ابنتي، لما فتحت لك هذا الباب.”
ثم أنهى المكالمة… وساد السكون.
نظرت لي فينغ إلى هاتفها وهمست:
“هذه أول مرة أسمع فيها عن هذا الشخص. لم يخبراني بشيء.”
قال هان فاي بهدوء:
“لقد قالا ما يكفي.”
ثم اتصل بـ لي شيوي وطلب منها البحث عن جاو شينغ.
مرت دقائق، وعادت بصوتٍ حائر:
“لا يوجد أي سجل بهذا الاسم في قاعدة البيانات. لا بطاقة هوية، لا وثائق ولادة، لا أثر. الزوجان الكفيفان قُتلا فعلًا، لكن لم يُسجَّل لهما أي طفل.”
وكأن جاو شينغ… لم يكن إلا وهمًا في ذاكرة رجلٍ محطم.
قطّب هان فاي حاجبيه، وقال:
“الأمر… ليس طبيعيًا.”
حينها، اهتزّ هاتفه. كانت مكالمة من قطة زجاج البحر.
“ما الأمر؟” سألها بقلق.
ردّت بصوتٍ مشحون بالتوتر:
“تعرضت فيغيبون لهجوم! هؤلاء ليسوا لاعبين عاديين!”
وقف هان فاي كالملدوغ:
“هل هي بخير؟”
قالت:
“استُهدفت داخل اللعبة. سأعطي الهاتف للأخ هوانغ ليشرح لك.”
أمسك هوانغ يين الهاتف وقال بهدوء:
“إنهم قراصنة. ليسوا مبتدئين. محترفون، وهدفهم لم يكن تخريب اللعبة، بل كشف هوية قطة زجاج البحر.”
سأل هان فاي مذهولًا:
“أليست محمية من الحاسوب الفوتوني؟”
قال هوانغ:
“الحماية موجودة، لكن هؤلاء… يبدون وكأنهم عصبة مختلين. لا أفهم لماذا يستهدفون الصبي المشمس بهذا الشكل.”
سأله هان فاي:
“هل هناك خطر على معلوماتها؟”
أجاب:
“الخطر ضئيل الآن… لكنه سيتفاقم مع الوقت.”
ثم أضاف:
“سأبقي فيغيبون على علم بكل جديد.”
قال هان فاي:
“الاختبار التمهيدي يوشك على الانتهاء. سأعيد تفعيل شخصيتي وأعود.”
لم يكن يريد أن يتأذى أحد بسببه.
❃ ◈ ❃
في أحد البيوت المهجورة، خلف ستائر سميكة حجبت ضوء الشمس، جلس شاب يعدّ أوراقًا نقدية متهالكة، كأنما يسترجع ذكريات عصر منسي.
قبالته، جلس رجل بقناع خنزير تجارب، يتفحّص ملفات غريبة.
سأله بصوت بارد:
“هل تأكدت أن الهدف صحيح؟”
أجاب الشاب، دون أن يرفع عينيه:
“نعم. استعنّا بمحلل سلوكي دقيق. أغلب الظن أنها فتاة تتخفّى بهوية صبي.”
رفع المقنّع الوثيقة وهمس:
“لكن لماذا تتطابق تمامًا مع الذي أعرفه؟”
ثم قرأ:
“أنثى، خجولة، تعاني قلقًا اجتماعيًا، لكنها ترتاح في الأماكن المألوفة…”
قطّب حاجبيه، وهمس:
“الأمر… مريب. سأتحقق بنفسي.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
—