766
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 766: اللقاء
دم؟ تمعّن “النسر الأصلع” في أصابعه. كان الإحساس مألوفًا للغاية، ومع ذلك لم يستطع فهم سبب نزف المرآة. رفع رأسه، وكان المرآب الأرضي الضخم يبدو وكأنه مغلَّفٌ بقوة غريبة، والضغط في المكان كان خانقًا.
قال بقلق:
هذا لم يحدث من قبل… ما الذي يجري؟
رغم اضطرابه، إلا أن الطقوس كان لا بد أن تستمر. ضغط على قناعه، وتحرّكت عيناه بين “هان فاي” والمرآة. “هان فاي” في معطف المطر، و”هان فاي” داخل المرآة، من المفترض أن يكونا الشخص ذاته، لكن الهالة التي يبعثها كل منهما كانت مختلفة تمامًا. لم تكن الطقوس قد بدأت رسميًا بعد، ومع ذلك ظهرت المشاكل مبكرًا.
تراجع “النسر الأصلع” خطوة إلى الوراء، متذكّرًا المهمة التي أوكلها إليه “الغراب”. ثم قال لـ”هان فاي”:
ارفع يدك ولمس المرآة. عليك اجتياز هذا الاختبار لتصبح عضوًا أساسيًا في جماعتنا. الآن بعد أن بدأت زهور الموت بالتفتح، ستكون أنت أجمل زهرة فيها. وعندما تتحوّل “شين لو” إلى بحر من الزهور، ستُبعث من جديد في العالم القادم.
سأرافقك لعبور الجسر.
كل كلمة نطق بها “النسر الأصلع” بدت وكأنها توقظ المرآة. ومع كل ترنيمة، بدأت المرآة تتغيّر. ظهر الموت في انعكاسها، وبدأ الدم يسيل على سطحها. وحين اكتمل التعويذ، رفع “هان فاي” في المرآة رأسه، ومدّ يده نحو “هان فاي” الحقيقي ليقبض عليها.
كان “النسر الأصلع” يعلم أن هذه اللحظة هي الأخطر في الطقوس. فهذه المرآة الفريدة تُظهر كل من قتلهم “هان فاي”. وإذا استطاع أن يتّحد مع جميع ضحاياه، فسيصبح عضوًا أساسيًا جديدًا.
راقب “النسر الأصلع” المرآة متوترًا لا يقوى على الكلام. وفجأة، وسط الظلام، انطلق ضحك بريء لطفل صغير.
ظهر على سطح المرآة أثر كفّ صغيرة، ثم تجسّد صبيّ في الخامسة من عمره تقريبًا داخل المرآة. كان يرتدي ملابس دار الأيتام، وينظر حوله بفضول.
قال “النسر الأصلع” وهو يلهث:
لقد وصل… أول ضحية له طفل…
لم يكن الطفل يبدو مدركًا لكونه ميتًا. بدأ يتجوّل داخل المرآة، ثم ظهر الطفل الثاني، والثالث، والرابع…
ظلّ “النسر الأصلع” يحدّق في المرآة حابسًا أنفاسه. وبرغم جنونه، إلا أن رؤية ثلاثين طفلًا محشورين داخل المرآة زرعت الرعب في قلبه.
ثلاثون يتيمًا؟ وهذا فقط البداية!
كان الموت لا يزال يتجمّع داخل المرآة!
العاصفة كانت تحتدم في الخارج، بينما شعر “النسر الأصلع” وكأنه يُرفع في مهبّها. كانت أصابعه ترتجف، لكن الطقوس وجب أن تُستكمَل. في العادة، لا يمكنه المضي إلى الخطوة التالية حتى يظهر جميع الضحايا، لكن المرآة امتلأت بالفعل!
قاوم “النسر الأصلع” خوفه وسأل “هان فاي”:
للوصول إلى الضفة الأخرى من الجسر، عليك أن تخسر شيئًا. هل أنت مستعد؟ هل أنت مستعد للتخلّي عن سعادتك وابتسامتك؟
دوّى الرعد في آذانهم.
أومأ “هان فاي” أمام المرآة بصمت. وعندها، تلاشت ابتسامات الأطفال الثلاثين. امتلأت عيونهم باليأس، وراحوا يضربون المرآة بأكفهم، وكأنهم يستنكرون قرار “هان فاي”.
أشاح “النسر الأصلع” بنظره، وكلّ ما أراده حينها هو إتمام الطقوس والفرار.
هل أنت مستعد لأن تستسلم للغضب وتتقبّل نعمة الطاغوت؟
أومأ “هان فاي” مجددًا. فتشقّق طرف المرآة، وظهرت بئر قديمة.
في قاع “بئر الرغبة”، شجرة معلّقة برؤوس بشرية، وتحتها مذبح منحوت من أرواح الناس.
قال “النسر الأصلع” وقد اتسعت عيناه:
ما هذا؟ ما الذي قتله؟
كانت الأمور تتجاوز إدراكه، لكن الطقوس لا تتوقّف.
هل أنت مستعد لاحتضان الموت، ومطاردته، ونشره؟
كان هذا السؤال التالي. لكنه لم ينتهِ من طرحه، حتى بدأت أجساد الأطفال الثلاثين بالتشوّه. خرجت وحوش من نفوسهم النقيّة، وبدأ كلّ واحد منهم يبثّ هالة مرعبة!
ولم يتوقّف الأمر على الأطفال فقط، بل ظهرت أشياء أخرى لم يستطع “النسر الأصلع” استيعابها: معلم بثلاثة أفواه، ومجنون يحمل شرنقة داخل قلبه، وجزّار برأس خنزير…
لم تعُد المرآة قادرة على احتواء هذا الكمّ من الكيانات. لقد قتل “هان فاي” من الأرواح ما فاق طاقة المرآة، فامتدّت الشقوق نحو المركز. وكان “هان فاي” في مركزها، وكأنه دوّامة موت!
اندفعت جميع الأرواح التي قتلها نحوه، لكنه لم يتحرّك. وقف ثابتًا، يدعهم ينهشونه.
كان قد أجاب عن الأسئلة الأولى بنجاح. ومع ذلك، بدا “النسر الأصلع” خائفًا بشدة. أراد إنهاء الأمر بسرعة، فسأل آخر سؤال قبل أن تندمج الأرواح بالكامل:
هل أنت مستعد لأن تصبح ذاتك الحقيقية؟
من قبل، كان “خنزير التجارب” قد طرح هذه الأسئلة ذاتها على “بو كايسين”.
كان هذا هو جوهر الطقوس: رؤية الموت، قبوله، نشره، ثم التحوّل إليه.
كان كل شيء يسير بحسب القواعد… حتى طرح “النسر الأصلع” السؤال الأخير.
فجأة، عمّ الصمت المرآب.
توقّف البكاء والعواء.
تراجعت مشاعر السخط والموت إلى الزوايا.
خفض “هان فاي” الحقيقي رأسه، فيما ارتجفت كتفا “هان فاي” داخل المرآة، ثم انطلق ضحك خافت من خلف القناع.
في البداية، بدا الضحك طبيعيًا، ثم أخذ يتصاعد… حتى صار هستيريًا!
لقد أيقظت الطقوس الكيان المختبئ في عقل “هان فاي”!
اندفع الأطفال الأموات يضربون المرآة محاولين الهرب، وتحطّمت أرواح القتلى واحدًا تلو الآخر على الزجاج، حتى ازدادت الشقوق أكثر.
تردّد الضحك المجنون بين الرعد والمطر.
ثم بدأ “هان فاي” في المرآة يرفع قناعه ببطء، وحدّق في “هان فاي” خارج المرآة، ثم قبض على ذراعه وسأله بصوت هائج:
هل أنت مستعد لأن تكون أنا؟
في اللحظة التالية، غطّت الشقوق المرآة كلّها، وانفجرت!
ظهرت انعكاسات لا نهائية لـ”هان فاي” في كل شظية.
وتردّد الضحك المجنون في المكان.
صرخ “النسر الأصلع” مذهولًا:
مستحيل! مرآة مصنع “شو شي” هي الأكبر والأكثر تفرّدًا، وقد استُخدمت في طقوس الارتقاء مرارًا… كيف يمكن أن تتحطّم؟!
تراجع خطوة، وهو يعلم أنه واحد من أعضاء النادي النخبة. وعلى الرغم من صغر سنّه، فقد رافق “الغراب” طويلًا، واطّلع على أسرار كثيرة.
أما “هان فاي”، فوقف وسط الشظايا. رفع رأسه ببطء وهو يتأمّل الطقس قائلًا في نفسه:
هل خرج الكائن في عقلي إلى العالم الحقيقي؟
بدت الطقوس مألوفة، لكنها مختلفة عمّا اختبره “بو كايسين”…
هل فشلت؟
استدار “هان فاي” ونظر إلى “النسر الأصلع”، ثم تقدّم نحوه ببطء:
أظنّك رأيت وجهي.
صرخ “النسر الأصلع” بجنون وهو يلوّح بيديه ويسقط على الأرض:
لا! لم أرَ شيئًا! كنتُ وقحًا معك قبل قليل، ما رأيك أن أركع لك؟ هل تسامحني؟
تحركت يد “هان فاي” نحو عنق “النسر الأصلع” ببطء:
هل رأيت وجهي؟
كان الرجلان متقاربين في الحجم، ومع ذلك بدا “النسر الأصلع” كالطين بين يدي “هان فاي”.
صرخ “النسر الأصلع” وقد سقط قناعه على الأرض، كاشفًا عن وجه شاب:
لا! أرجوك لا تقتلني! امنحني فرصة!
قال “هان فاي” وهو يُرخي قبضته قليلًا:
فرصة؟ كم مضى على انضمامك إلى النادي؟ وهل تعرف الأعضاء الأساسيين؟
ردّ بتوسّل:
أربع سنوات! كنتُ من أوائل المنضمّين! وأنا قريب جدًا من “الغراب”، أناديه بـ”أخي” حين نكون بمفردنا.
أكان النادي موجودًا قبل أربع سنوات؟
أشار له “هان فاي” أن يعيد قناعه إلى وجهه:
سأبقيك حيًا، لكن عليك أن تتعاون معي.
قال “النسر الأصلع” فورًا:
سأنفذ كل ما تأمرني به.
لكن خلف عينيه، ومضة حقد خفيّة كانت تتوهّج.
أضاف “هان فاي”:
ستأتي معي.
ثم فجأة، كسر ذراعيه.
صرخ “النسر الأصلع” وسقط على الأرض يتلوّى من الألم:
ألم تقل إنك ستُبقيني حيًا؟ لم أرَ وجهك، أرجوك، دعني أرحل!
قال “هان فاي” بهدوء مرعب:
طلبتُ منك أن تأتي معي، وهذا لا يحتاج ذراعين. فقط قدميك. وإن صرخت مرة أخرى، سأقتلع لسانك.
سار “هان فاي” فوق شظايا المرآة المكسورة، مما أعاد في ذهن “النسر الأصلع” صور الضحايا. فجأة، صمت تمامًا. لأول مرة في حياته، يشعر بهذا القدر من الرعب.
صعد المصعد القديم. وكان “السرطان” و”القزم” يقفان أمام بابه، يتسمّران بتوتر بعدما سمعا ضجيجًا قادمًا من الغرفة السفلية.
سأل القزم بفضول:
هل نجحت الطقوس؟ لم أتلقَّ أي إشعار من العضو الأساسي… ماذا حدث؟
لكن “هان فاي” طرح سؤالًا خاصًا به:
هل أنتما أيضًا من الأعضاء النخبة في نادي القتلة؟ كم من الدم لطّخ أيديكما؟
قهقه القزم بصوت حادّ وقال:
قتلت كل من نظر إلي بازدراء. ثم، لم أستطع التوقف! صرت أقتل كل من يشفق عليّ!
كان قصير القامة، لكنه ارتدى قناع نمر مفترس.
أما “السرطان”، فكان أكثر حذرًا، واكتفى بالقول:
أحب أكل الأعضاء… الأعضاء الطازجة.
تمتم “هان فاي” وهو يقترب منهما:
لا أحد هنا صالح. وإن أمسكتُ نفسي، أكون قد أهانتُ الموتى.
ثم فجأة، ركل “السرطان” في صدره، وقبل أن يتحرك “القزم”، سُدِّدَت له ركلة أخرى. غطّى هدير الماكينات صراخهما.
كان “النسر الأصلع” يرتجف وهو يراقب المشهد والعرق البارد يغمر وجهه. لقد بدا “هان فاي” كطاغيةٍ لا يُردعه شيء. يقتل بلا مبرّر.
تذكّر الضحايا الذين رآهم داخل المرآة… لقد اجتذبوا وحشًا مرعبًا.
ماذا أفعل الآن؟ إلى أين سيأخذني؟ لن يُطلق سراحي! لا بد أن أجد فرصة للهروب، حتى لو اضطررت لتسليم نفسي للشرطة!
كان المطر لا يزال يهطل، والخوف ينهشه من الداخل.
وحين شلّ “هان فاي” حركة “السرطان” و”القزم”، توقّف أمام آلة الطحن. لم يجرؤ الثلاثة على إصدار أي صوت.
قال بابتسامة باردة:
هيا. سأأخذك إلى مكان ممتع.
قاد “هان فاي” “النسر الأصلع” خارج مصنع المرايا، نحو منزل “جين جون”. كان يخطّط لسحب “النسر الأصلع” إلى العالم الغامض، وإجراء جراحة ذاكرة عليه، ليجعله مساعده المؤقت. “النسر الأصلع” لم يكن سوى البداية؛ الهدف الحقيقي لـ”هان فاي” هو الغراب.
…
الساعة 11:30 مساءً، في مبنى مهجور في “الريف الشمالي”،
فُتح باب مُشفَّر بإحكام، ودخل رجل يرتدي قناع خنزير تجارب.
رمى هاتفًا مشفّرًا على الطاولة الطويلة وقال:
“النسر الأصلع”، “النمر”، و”السرطان الأخضر”… ثلاثة من أعضاء النخبة اختفوا من مصنع مرايا “شو شي”! يا “الغراب”، لقد كنتَ مهملًا للغاية.
كان “الغراب” يجلس واضعًا قدميه على الطاولة، ثم قال ببرود:
وماذا في ذلك؟
ردّ “خنزير التجارب”:
المرآة في المصنع تحطّمت! الطقس لم تنجح… لكنها لم تفشل أيضًا.
جلس “الغراب” فجأة وبدت عليه الصدمة:
تحطّمت؟ كيف يمكن ذلك؟
قال “خنزير التجارب” بثقة:
المرآة بلغت حدّها الأقصى. لقد انكسرت تحت وطأة الأرواح التي قتلها!
—