673
673
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
الفصل 673: الاختيارات
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
إذا لم تجد المشاعر السلبية المتراكمة منفذًا مناسبًا لتُفرَغ فيه، فإنها تُفسد العقل، وتحول الإنسان العادي إلى وحش. قد يبدو طبيعيًّا في الظاهر، لكن روحه تكون قد تغيرت.
الرجل الذي لم يكن يجرؤ حتى على الابتسام يومًا، راح يضحك بجنون الآن.
قال هان فاي:
“نقطة ضعفك النفسية هي ما يستهدفه هذا الوحش. لن يساعدك. هو فقط…”
وقبل أن يُتمّ كلامه، قاطعه الرجل بالزي المدرسي قائلًا:
“لكنه يسمح لي بأن أكون نسخة أخرى من نفسي! نسخة لم أكن لأتجرأ حتى على تخيلها في الماضي!”
كانت حالته غريبة جدًّا. لا يستطيع التوقف عن الضحك، لكن دموعه كانت تتساقط بلا توقف أيضًا. كان يشتكي من العالم من خلال ضحكاته.
“هذا لا يبرر قتلك لهم.” قالها هان فاي، وأخرج “الرفيق”. “أخرِجه، أريد التحدث إليه.”
كانت عيناه المحمرّتان توشك على الانفجار. تكتّلت الشعيرات الدموية عند الأطراف. واصل الرجل الضحك حتى شُقّت شفتاه. لم يعد وجهه يُشبه ما كان عليه. وارتفع صوت الضحك الجنوني أكثر فأكثر.
هان فاي استطاع أن يميز بوضوح: الضحك لم يكن يخرج من فمه، بل من بطنه.
كان ضحكًا مرعبًا، كأنه طفل شيطاني يزحف ببطء في أمعاء الرجل. ومع صعوده، ازداد حدة وحدّة. في النهاية، طغى صوت الضحك القادم من البطن على ضحك الرجل نفسه. في تلك اللحظة، اختفى الألم والندم من عينيه، ولم يبقَ سوى لهيب الجنون. الفوضى، الموت، اليأس… تلك هي الأشياء التي أرادها. كان يعشق الدمار الكامل.
قال هان فاي من خلف القناع:
“يبدو أنك الشخص الذي كنت أبحث عنه. أنا حقًا فضولي لرؤية شكلك الحقيقي.”
ثم مدّ يده نحوه قائلًا:
“هناك صوت يُرشدني إلى الاقتراب منك، أن ألتهمك… أو أن أُلتهم بك. وأعتقد أنك تشعر بالأمر نفسه.”
نظر الرجل إلى يد هان فاي، فرأى الخيوط الحمراء ملتفّة حول إصبعه. تشققت شفتاه ونزفتا. لم يرغب في مصافحة هان فاي، فهذه الخيوط الحمراء متصلة بالدمية الورقية التي أخفاها هان فاي تحت ملابسه، وإن تصافحا، فستلقي اللعنات اللانهائية بثقلها عليه.
جسد شو تشين كان قد تحطم تقريبًا، ولم يكن بالإمكان استخدام قوتها مرارًا كثيرة. لذلك كان هان فاي يحتفظ بها لمواجهة الأعداء الأصعب فقط.
أداؤه كان طبيعيًّا للغاية. خطته بسيطة جدًا: إن وجد فرصة لقتل “الضحك المجنون”، فسيفعل. وإن لم ينجح، فحينها سيفتح باب التعاون.
اختياره للضحك المجنون كان سببه بسيطًا كذلك: من بين حالات الوفاة الـ99 التي مرّت بها شو تشين، لم يكن أيٌّ منها على يديه.
عقل الرجل قد التهمته الكراهية، ومشاعره السلبية تفجّرت. لقد استولى “الضحك المجنون” تمامًا على جسده.
قال هان فاي متسائلًا:
“أنا فضولي… كم عدد الأشخاص في هذه المدينة الذين تسيطر عليهم؟”
لم يكن هان فاي قد رأى الشكل الحقيقي للضحك المجنون من قبل، وكان تواصله به يقتصر على ضحاياه فقط.
وحين سمعه، نظر إليه الرجل، ثم سار بجانبه وأشار إليه أن يصعد الحافلة معه.
تأمل هان فاي قليلًا، ثم طلب من “لي غوو إر” والبقية أن ينجزوا له مهمة: أن يقودوا السيارة قبل الحافلة، ويمروا على الطريق قبلها. كان يريد منهم تطهير الأرواح في كل محطة قبل أن تصل إليها الحافلة.
الأمر بسيط: السيارة الأجرة تسكنها تسعة ارواح. كل ما عليهم فعله هو جرّ الركاب المنتظرين في المحطات إلى داخل السيارة، وبمساعدة والدة شياو يو، ستُحلّ الأمور.
التعامل مع هذه الأشباح البسيطة سيكسبهم نقاطًا، كما سيقوّي السيارة ووالدة شياو يو، ما يعني أن الخطة كانت مثالية من كل النواحي.
وبعد انطلاق السيارة الأجرة، صعد هان فاي إلى الحافلة. كان على متنها أربعة فقط: السائق، هان فاي، الضحك المجنون، ورجل في منتصف العمر يرتدي زي المدينة الترفيهية.
لم يكن أحد منهم يحمل تذكرة، لكن لم يهتم أحد.
وقف هان فاي قرب السائق، فيما سار الرجل بالزي المدرسي نحو العامل في الصف الأخير.
قال العامل:
“لماذا لا تدفعان ثمن التذاكر؟”
وما إن حاول الوقوف، حتى كبسه الرجل أرضًا، واقترب بوجهه المليء بالضحك من العامل، ثم فجأة، سحب سكينًا حادًا من حقيبته المدرسية وغرسها في عنق العامل.
في لحظة، انهار الرجل ميتًا.
الرجل المسيطر عليه من قِبل الضحك المجنون كان قد جنّ تمامًا. لم يعد له سيطرة على نفسه، وسادته المشاعر السلبية.
“كل الأشخاص العاديين الذين تسحقهم المشاعر السلبية يمكن أن يتحولوا إلى أوعية للضحك المجنون. قد يصبحون آلات قتل في أي لحظة. هذه المدينة خطيرة جدًّا.”
“الناس العاديون قد يتحولون إلى قتلة يضحكون، وهناك وحوش مختبئة في الظلال، هراطقة يؤدّون طقوسًا غريبة، وقوة مجهولة تحاول ختم العالم الغامض… وأخيرًا، هناك المدينة الترفيهية التي حوّلت الموت إلى لعبة.”
“لا يكفيني أن أنجو فقط، بل عليّ أن أقتلهم جميعًا.”
“إنها مهمة شاقة للغاية… تُرى، هل فعلها أحد قبلي؟”
لم يكن هان فاي قد استعاد ذاكرته بالكامل بعد. كل ما رآه حتى الآن هو حالات الوفاة التسعة والتسعون لشو تشين. لم يكن متأكدًا إن كان هو ذاته، لكن… لم يكره هذا الشخص.
أما السائق، فكان مجرد دمية جليدية، خيطت ذراعه بخيوط حمراء، ويعلّق بطاقة من المشرحة. لم يهتم لما يحدث داخل الحافلة.
خلع الرجل زي عامل المدينة الترفيهية، وسرق بطاقته الوظيفية، ثم تخلص من زيه المدرسي، وارتدى الزي الجديد، وألقى بالجثة خارج النافذة دون أن يكترث حتى لتنظيف الدم.
ثم جلس في مقعد العامل، وربّت على المقعد بجانبه مشيرًا لهان فاي أن ينضم إليه.
كانت “لي غوو إر” والبقية قد تعاملوا مع جميع الركاب عند المحطات. أما “هان فاي” والرجل الذي تملّكه “الضحك المجنون”، فقد كانا على متن حافلة واحدة، تنجرف ببطء نحو أعماق البحر.
مرّ وقتٌ طويل منذ أن فتح “هان فاي” عينيه على هذا العالم. لم يسبق له أن اختبر مثل هذه التجربة من قبل. جلس بجانب أخطر مختلٍّ عقلي، ونظر إلى المدينة المكتظة بحكايات الأشباح. كانت الحافلة الصامتة تشكّل تناقضًا صارخًا مع الشوارع التي تردّد فيها صدى الصرخات. وكأنهما لم يكونا من سكان المدينة، بل مجرد زائرَين.
جثة “فو شنغ” تمّ التخلّص منها. وكان الدم الدافئ قد تكوّن في بركة على الأرض. غمس الرجل إصبعه في البركة، وكتب على المقعد الكلمات التالية:
فو شنغ، مدير العالم الغامض، أشباح الجيل الأول، والمدينة الترفيهية الخاصة بي.
لم يفهم “هان فاي” المغزى في البداية، إلى أن رفع الرجل سكينه وقطع اسم “فو شنغ”.
قال “هان فاي” وهو ينظر إليه:
“إذن، هناك أربعة خيارات غيري وغيرك؟”
نظر إليه الرجل بالمثل، وفي أعينهما سكن جنون لا يفهمه سواهما.
“شخص واحد يتولى أمر اثنين؟ هذا عادل.”
كانت هذه المدينة صورة مصغّرة من زمنٍ مضى. وكان “الضحك المجنون” يكره “فو شنغ” كرهًا شديدًا، أكثر حتى من “هان فاي”. لذلك، كان خياره الأول هو قتل “فو شنغ”.
أما “هان فاي”، فقد انجذب إلى العالم الغامض. تلك الكلمات أيقظت شيئًا ما في أعماقه. أخرج “هان فاي” سكين “الرفيق” وشقّ بها عبارة مدير العالم الغامض.
ثم مزّق الرجل عبارة المدينة الترفيهية الخاصة بي.
“هل تترك لي أشباح الجيل الأول؟” تمتم “هان فاي”، ثم التقط السكين وقطع الخيار الأخير.
عندها انهار المقعد الذي كُتبت عليه الكلمات، كأنما فقد دعائمه.
كان “هان فاي” و”الضحك المجنون” بارعين في اتخاذ القرارات. فبعد أن أزالوا كل الاحتمالات، لم يعودوا بحاجة للتفكير في أي خيار هو الصحيح.
الحافلة استمرت في التحرك. لم يصعد أحد. ولم تتوقف حتى بلغت وجهتها النهائية: المدينة الترفيهية.
كانت تلك أول مرة يقترب فيها “هان فاي” من المدينة الترفيهية ليلًا. بدت نابضة بالحياة أكثر مما هي عليه صباحًا، ومع ذلك، لم يكن هناك أي أحد.
عندما توقفت الحافلة عند المحطة الأخيرة، جاء صوت طرق على النافذة. كان “شياو يو” و”شياو جيا” يشيران إلى “هان فاي” بعنف.
“هذه محطتي.” وقف “هان فاي” ومسح الدم عن حذائه، وقال:
“أنت لا تستطيع التوقف عن الضحك، أما أنا فلا أستطيع أن أبتسم حتى لو أردت… لا أعلم أيّنا الأوفر حظًا.”
نزل “هان فاي” من الحافلة وراقبها وهي تدخل المدينة الترفيهية. كانت المدينة أكبر بكثير في الليل، وابتلعت الحافلة سريعًا وسط ضحكات عالية، لتختفي في عالمٍ آخر.
“هان فاي، كيف سارت شراكتكما؟” فتح “شياو جيا” باب سيارة الأجرة ونظر إلى “هان فاي” الذي كان يرتدي بذلة رسمية، فارتسمت على وجهه ملامح مألوفة.
“تُذكرني بقائدي السابق أكثر فأكثر. كان يبدو هكذا تمامًا بعد الانتهاء من إبرام صفقة.”
“قلت هذا من قبل. يجب أن تعرّفني عليه في وقتٍ ما.” جلس “هان فاي” في المقعد الأمامي، ولم يغفل عن أي تفصيل مثيرٍ للريبة.
“لا أظن أن ذلك ممكن. لقد مزقته صديقاته إلى أشلاء. لم يترك حتى جسدًا كاملًا.”
لم يلاحظ “شياو جيا” ملامح “لي غوو إر” وهي تغيم بالظلمة، وتابع قائلاً:
“حتى أننا صنعنا لعبة مستوحاة من قصته.”
“لعبة؟”
“نعم، لدي نسخة على هاتفي. هل تريد تجربتها؟” ناوله “شياو جيا” الهاتف.
“النسخة الهاتفية مبسّطة. تحتوي فقط على 15 نهاية. أما النسخة الرسمية على الحاسوب، فلها 99 نهاية. إنها مشهورة إلى حدّ ما.”
فتح “هان فاي” اللعبة، وكانت أول رسالة تظهر على الشاشة:
اللعبة مستندة إلى أحداث حقيقية. ولحماية خصوصية الشخصيات، تمّ تغيير أسمائهم.
“اللعبة مملة جدًا.” قالت “لي غوو إر” وهي تشغّل السيارة.
“كدت أن تدخل المدينة الترفيهية ليلًا مع الحافلة. هل تعلم مدى خطورتها بعد غروب الشمس؟”
“وهل تعلمين لمن صُمّمت هذه المدينة؟” ضغط “هان فاي” على شاشة الهاتف، وبدأت اللعبة. كانت البداية بسيطة:
الشخصية الرئيسية نائم في غرفة النوم، يسمع صوتًا قادمًا من غرفة المعيشة. يفتح عينيه قليلاً، فيرى زوجته واقفة عند باب الغرفة وهي تحمل سكينًا.
هذا المشهد البسيط سبّب خفقانًا مؤلمًا في رأس “هان فاي”، وكأنه هو من كان مستلقيًا على السرير.
“هل مزج أحدهم ذكرياتي داخل هذه اللعبة؟”
“هاه؟” مال “شياو جيا” إلى الأمام، وقال:
“هل أنت لاعب أيضًا؟ كنت أظنك رجلًا مخلصًا في الحب.”
“هل تملك النسخة الرسمية على حاسوبك؟” لم يضيّع “هان فاي” أي وقت. شعر وكأنه عثر على خيطٍ حاسم.
“بالطبع. هذه لعبة طوّرها قسمنا. وقد أنهيت جميع النهايات المأساوية.”
“نهايات مأسوية؟ ألا توجد نهاية سعيدة؟” تجعّد جبين “هان فاي”.
“توجد نهاية واحدة، لكن القائد فقط يعرف كيف يصل إليها. لم يتمكّن أيّ لاعبٍ من كشفها حتى الآن.”
“سنذهب إلى منزلك حالًا. أحتاج أن أرى هذه اللعبة.” خفّض “هان فاي” رأسه واستمر باللعب. وكلما تقدّم، ازدادت التموجات في ذهنه.
فرح “شياو جيا” لسماع “هان فاي” يقول إنه يريد العودة إلى منزله. لقد سئم التعامل مع الأشباح والوحوش. عادوا إلى الحي السكني حيث يسكن، وتسلّلوا إلى المبنى كما فعلوا في المرة السابقة، متفادين الكاميرات.
سحب “هان فاي” “شياو جيا” إلى جهاز الحاسوب.
قال “شياو جيا” وهو يفتح اللعبة:
“لا تتسرع، هذه اللعبة فيها نهايات كثيرة. ستستهلك وقتك. حتى أكثر من كان يتلاعب بالقلوب لم يتمكّن من النجاة لأكثر من ثلاثين يومًا. طبيب نفسي وطلّابه حاولوا تحليل اللعبة، ونجوا بالكاد لشهرٍ واحد.”
لكن بينما كان “شياو جيا” يتحدث، كان “هان فاي” قد اجتاز اليوم الثاني بالفعل. كانت الاختيارات الميكانيكية على الشاشة تنبض بالحياة في عينيه. اتّبع حدسه واتخذ قراراته، وسرعان ما وصل إلى اليوم الرابع. لم يمت، بل رفع مستوى مودة زوجته.
قال “شياو جيا”:
“التركيز على شخصٍ واحد لا ينفع. الزوجة وحدها لا تستطيع حمايتك. بل إن رفعت مستوى المودة كثيرًا معها، ستجذب عداء الآخرين، وسيصعب عليك الأمر في العمل.”
أراد أن يتفاخر بمهاراته، بعد أن اعتاد على سخريات “هان فاي”، لكنه سرعان ما أدرك أن “هان فاي” يتقدّمه بخطى ثابتة، حتى إنه صار يتجاوز مطوّر اللعبة نفسه!
“ما هذا؟!” صاح “شياو جيا” بدهشة.
“متى رفعت مودة الزميلة؟!”
دخلت “لي غوو إر” الغرفة، ورأت الخيارات التي اتخذها “هان فاي”. كان قد فقد ذاكرته، ولم يتذكر شيئًا من ماضيه، ومع ذلك، اختار نفس الخيارات التي اختارها ذلك الرجل…
تذكّرت لقائها الأول بـ”هان فاي” في الشارع. لقد عرف أنها كانت تتظاهر، ومع هذا، قرر مساعدتها.
“هما ليسا نفس الشخص… فلماذا يبدو الأمر هكذا؟”
أما “هان فاي”، الذي غرق في عوالم اللعبة، فلم يلحظ هذا الشذوذ من حوله. لقد نجا من الأسبوع الأول، وبدأ قفل ذاكرته بالاهتزاز والانفراج.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
فصل مدعوم
—