601
601
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
الفصل 601: المُضيّ قُدمًا
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان المطر يهطل فوق مستشفى الجراحة التجميلية. امتزج الضوء بالدماء وساعد على غسل تشوهات المبنى. وقفت الزوجة الرقيقة والصبورة تحت المطر، تغطي الجروح جسدها المنهك.
قالت بصوت مبحوح:
“لقد رأيتُ وجهه. عندما كاد ‘فو يي’ أن يجرّني إلى الهاوية، هو من أوقفه. ألم تلاحظي؟ منذ لحظةٍ ما، تغيّر ‘فو يي’.”
نظرت إلى “لي غوو إر”، التي ما زالت تجاهد لتجميع الجسد المتكسر.
“من اقترب منك وأذاك مستخدمًا سلطته كان ‘فو يي’. أما من خاطر بحياته لينقذكِ من الحادث، فكان شخصًا آخر.”
ارتفع صوتها وهي تشير إلى الفتاة الصغيرة المراهقة:
“لقد استخدم ‘فو يي’ كلمات منمقة ليخدعك. وبعد أن حصل على ما أراده، رماكِ خلف ظهره، ونكث بكل وعوده. أما الرجل الآخر، فهو من حملك وسط عاصفة المطر إلى المستشفى، وبقي إلى جوار سريرك حتى استيقظتِ.”
بدت الزوجة وكأنها تُفرغ ما بداخلها منذ سنين. استدارت نحو والدة “فو ييي”.
“أعلم أن حياتك كانت قاسية. ‘فو يي’ تخلى عن زوجته وابنته، ولهذا كان عليكِ أن تتحملي الألم وحدك. هو من هرب من المسؤولية. ولكن من مزق صور ابنتك من بين الجموع كان الرجل الآخر. حتى بعدما خسر عمله وسمعته، لم يهتم بشيء بقدر ما اهتم بمرض ابنتك.”
ثم التفتت إلى المعلمة “ليو”:
“أنا أعلم ما حدث بينكِ وبين ‘فو يي’. قرأت محادثاتكما. في كل مرة حاول فيها الاقتراب منكِ، كان يصفني بأسوأ صورة، ويزعم أنه لا يجد الحب في بيته. افترى عليَّ وعلى أولاده فقط ليكسب تعاطفك. والدكِ اتُّهم ظلمًا، ولم يهتم ‘فو يي’ بإظهار الحقيقة. كل ما وعد به هو ألا يكون مثل والدك. لكن الرجل الآخر… لم يهتم بالشائعات. بل كان هو من بحث عن الحقيقة من ماضٍ بعيد، وأعادها إلى والدك!”
كأنها كانت تصرخ من أعماق قلبها:
“والدة ‘فو شينغ’، أنتِ تعرفين ‘فو يي’ جيدًا مثلي. هو من خانك، وهو من هاجم ‘فو شينغ’ من أجل سمعته، وهو من تسبب في عزلة ابنك عن العالم. لم يكن أبدًا زوجًا أو أبًا، بل كان السبب في تمزق العائلة!
“حين كنتُ على وشك الانهيار، ظهر شخص آخر… مختلف تمامًا. حاول لملمة شتات الأسرة. لم يحمل إلينا مشاعره السلبية. كان عطوفًا، يحترم الأطفال، يلبس المريول ليطهو لهم، ويلعب مع ‘فو تيان’ ألعابًا طفولية.
“حين تعرض ‘فو شينغ’ للتنمر، اندفع للدفاع عنه. سعى ليعيده إلى المدرسة، وتحدث مع الإدارة، بل وواجه المدير المنحرف بالضرب! المعلمة ليو تعرف ذلك. هو من ساعد ابنك ليخرج من اليأس.”
ثم همست بعينين مغرورقتين:
“هو من أنقذك من الحادث، وهو من حملك إلى المستشفى، وهو من أعاد لوالدك براءته، وهو من فقد عمله وتحمّل الإهانة من أجل إنقاذ ابنتك. إنه… الشخص الذي منحني بارقة أمل.”
مسحت نظرها على وجوه الكراهيات الخالصات، ثم توقفت عند جسد “هان فاي”:
“هو أيضًا… من منحني ذاك الأمل.”
ಥ‿ಥ)مطر دموع)م.م
وقفت ثابتة. لم توقف الكراهية المطر، ولم تؤثر الدماء المتحولة أو التوسلات الهابطة على فستانها. كأنها لم تعد تشعر بشيء.
تنهدت “تشاو تشيان” وأرادت مواساتها، لكنها عجزت. وضعت يدها على كتف “هان فاي”، ثم تركت خلفها الحب والكراهية، وغادرت المستشفى، ربما دون عودة. جميع الكراهيات الخالصات تركن مشاعرهن داخل جسد “هان فاي”، باستثناء “تشوانغ وين” التي ظلت صامتة، تتابع جسد مدير المبنى الميت والممزق…
عندما رأت “تشوانغ وين” الأخريات يضخن كراهيتهن وحبهن في جسد “هان فاي”، التقطت المرأة بلا وجه وأجبرتها على حقن كراهيتها أيضًا. كانت تتحكم بالكراهية لإصلاح الجسد، فلا يمكنها إحياءه، لكن يمكنها ترميمه.
بعد تردد، استدارت لتسأل الزوجة، لكن “لي غوو إر” سبقتها:
“هل لي أن آخذه معي؟”
اهتزت عينا “تشوانغ وين”. هل هناك من سينافسها عليه؟
حين رأت الزوجة، فهمت الإجابة. وضعت النظارات المحطمة جانبًا، وأخفت ابتسامتها الحزينة. انحنت أمام الزوجة وقالت:
“أنا آسفة.”
وبعدما سكبن كراهيتهن وحبهن في الجسد، بدأن بالمغادرة. بعضهن تظاهر بالنسيان، بعضهن تماسك، لكن لم تستطع أيٌّ منهن نسيان تلك اللحظات الثمينة.
مع خروج الكراهيات، عاد المبنى شيئًا فشيئًا إلى طبيعته تحت المطر والضوء. لا يمكن عكس التشوه، لكن في ظل التوسلات، بدأ العادي يعود، غُطيت الآلام واليأس، وبدأت الأرض والسماء تتعافيان.
فوق منصة المذبح، أُعيد ترميم جسد “هان فاي” ببطء، بحب وكراهية. وقفت الزوجة بجانبه حتى توقف المطر، وتبدلت كراهيتها إلى إحساس خاص. أمسكت قلبه المتشقق، تسللت الدموع من عينيها، واستعاد القلب القليل من دفئه.
همست:
“كان يجب أن أعيدك للبيت، لكني أعلم أن هناك من ينتظرك.”
أعادت القلب إلى صدره وسحبت يدها، رفعت عينيها إلى “تشوانغ وين” قائلة:
“أعيديه إلى منزله.”
تفاجأت “تشوانغ وين” من كلمات الزوجة، واهتزت ألسنة اللهب السوداء في عينيها، لكنها سرعان ما أدركت: الكراهيات في عالم الذكرى لا يحتجن إلى لهب أسود. حبهن وكراهيتهن صافية… خالصة.
قالت الزوجة:
“أتثقين بي؟”
أجابت دون تردد:
“أنت لا تنتمين إلى هنا. حين كنت مغمورة بالكراهية، تذكرت الكثير من الأشخاص… وهذه النهاية الأفضل.”
استدارت ومشت خارج المستشفى. وفي منتصف الطريق، توقفت فجأة. نظرت إلى جسد “هان فاي” قائلة:
“أعيديه إلى البيت… لا تدعي من يحبونه يقلقون عليه.”
كان جسده يتعافى ببطء، مشبعًا بعشرة أجزاء من الكراهية والحب. خرجت الزوجة من المستشفى، ومشت في الشارع المظلم، وهي تحتضن قلبها الخاوي. بدا أن المدينة اتسعت فجأة، واستغرق الطريق إلى المنزل دهورًا. حين بزغ الفجر، أخرجت مفتاحها، فتحت الباب، خلعت حذاءها، ارتدت المريول، ودخلت المطبخ.
أعدّت الإفطار كما اعتادت، لكن حين أمسكت بالسكين، أدركت أنها لا تستطيع التظاهر بأن شيئًا لم يحدث. سقطت على الأرض، محتضنة ركبتيها، وحرصت على ألا تبكي بصوت عالٍ كي لا توقظ الأطفال.
فُتح باب المطبخ. كان “فو شينغ” واقفًا هناك، لم ينم ليلته. لطالما اعتاد غياب والده، لكن شيئًا بدا مختلفًا هذه المرة. ناولها منديلًا، وجلس بجانبها بصمت.
بعد وقتٍ طويل، رفعت رأسها إليه بعينين حمراوين.
قالت:
“أبوك ذهب إلى مكان بعيد جدًا… وقد لا يعود أبدًا.”
تجمد عقل “فو شينغ”، وكأن العالم توقف.
“أين كان الليلة الماضية؟”
“في المستشفى. آخر مكالمة له كانت يقول فيها ألا تذهب إليه أبدًا…” وقبل أن تُكمل، انطلق “فو شينغ” راكضًا خارج البيت.
لم يعرف لماذا يجري، فقط شعر أنه إن ركض أسرع، قد يتمكن من إنقاذ والده. هرول إلى المستشفى المشوه، الذي بدا طبيعيًا تحت الشمس. سأل الجميع عن “فو يي”، دون جدوى، حتى أوقفه الحارس. وبينما كان على وشك الطرد، ظهرت طبيبة مع أخيها المرافق.
“أتعرف أين غرفة ‘فو يي’؟ كان يعمل هنا. أرجوك، دعني أراه!” أمسك بذراع المرافق، الذي نظر إليه بأسى.
قالت الطبيبة، وقدّمت له تقريرًا طبّيًا مجعدًا:
“لقد رحل. مرضه كان قديمًا، وكان يعيش على فتات الوقت.”
صرخ “فو شينغ”:
“أريد فقط رؤيته! أرجوكم!”
لكن الحراس سحبوه.
المرافق حاول تهدئته، واصطحبه في جولة على الأماكن التي اعتاد “فو يي” العمل فيها. كل شيء بقي كما هو… عدا الرجل الذي لم يعد موجودًا.
مع شروق الشمس وازدحام المستشفى، جرفه الحشد، ووجد نفسه جالسًا على الدرج، يحمل التقرير الطبي، لا يعرف ما يفكر فيه.
ثم، وسط الضوضاء، صرخ صوت مألوف:
“فو شينغ!”
نظر حوله، فلم يرَ شيئًا. لكنه اندفع نحو الصوت، ليجد والدة “فو تيان”، تقف هناك بقلق بالغ.
عانقته، وقالت:
“لا تهرب مجددًا، رجاءً… لا أريد أن أفقدك أيضًا.”
نظر إليها، لأول مرة بعينين مختلفتين.
قال بهدوء:
“سأُعلِمكِ دائمًا بمكاني من الآن فصاعدًا.”
ردّت بابتسامة حزينة:
“أعددت الإفطار. فلنعد إلى المنزل.”
عادا إلى الحي القديم. جلست الأسرة لتناول الطعام. دفع “فو شينغ” التقرير بهدوء إلى جيبه. المائدة نفسها، لكن كرسيًا واحدًا بقي فارغًا.
سأل “فو تيان” بحماس:
“أين أبي؟ لم يَعُد بعد؟”
ابتسمت والدته بصعوبة:
“سافر للعمل في الخارج. قد يحتاج سنة أو سنتين ليعود. يعمل جاهدًا من أجلنا.”
قال الصغير:
“هل يمكنني الاتصال به؟ أريد اللعب معه الغميضة! سأفوز عليه هذه المرة!”
ردّ “فو شينغ”، وهو يأخذ صحنه إلى المطبخ:
“عمله سرّي. لا يمكنه الرد على أي اتصال.”
ثم عاد إلى غرفته، أغلق الباب، وجلس صامتًا.
في المساء، حين خفت الأضواء، سُمِع طرق خفيف على الباب.
كان “فو تيان”، بعينين دامعتين:
“أشتاق لأبي… لا أستطيع النوم.”
عانقته والدته بصمت. البالغون قد يتظاهرون بالقوة، لكن الأطفال يعكسون الحزن على وجوههم.
قالت بلطف:
“هل تريد أن أقرأ لك قصة؟”
تمدّد الطفل، وبدأت تقرأ له القصص. الوقت لم يتوقف، لكنه مضى معهم بصمت.
وفي اليوم التالي، استيقظت مبكرًا، جهزت الإفطار، لكن هذه المرة… لم تعد تُحضّر طبقًا رابعًا.
خرج “فو شينغ” من غرفته بزيّه المدرسي الجديد، وحقيبة على ظهره، كما لو أنه يخرج لأول مرة منذ دهر.
قالت له بابتسامة حزينة:
“أعددت لك صندوق الغداء.”
أومأ، وأجاب:
“سأذهب إلى المدرسة.”
خرج فو شينغ من الحي، فتح حقيبته المدرسية وكان على وشك أن يضع علبة الطعام بداخلها حين وقعت عيناه على علبة طعام للقطط. في تلك اللحظة، تذكّر بوضوح ذلك اليوم. يوم طُرد فيه والده من عمله. كان بحاجة للعثور على وظيفة جديدة، وصادفه فو شينغ قرب المدرسة. بعد ذلك، أصبح والده عاملاً في المستشفى.
تمتم لنفسه وهو يحدّق في العلبة:
“لم أرد يومًا أن أعرف عنه شيئًا… لكنني أتذكر كل التفاصيل بوضوح.”
حمل علبة الطعام، وبدلًا من التوجه إلى المدرسة، قصد محطة الحافلات. وعندما وصلت الحافلة المألوفة، صعد إليها. كانت مزدحمة بالركّاب—موظفون، عمّات، أعمام يمارسون رياضة الصباح، وطلاب مدارس. ضاقت بهم المساحة، لكنهم تماسكوا في أماكنهم بينما الحافلة تهتزّ في طريقها. تبادل البعض التحيات والأحاديث:
“انظروا! نزلت اللعبة في الساعة الخامسة صباحًا! سهرت طوال الليل في انتظارها! إنها رائعة!”
“أليست لعبة مواعدة عادية؟”
“مواعدة؟ جرب أن تستمع إليها فقط! لا أستطيع أن ألعبها أمام الناس.”
مرّت الحافلة بالعديد من المحطات. جلس فو شينغ يحمل حقيبته وينظر من النافذة بصمت. وبعد نصف ساعة، نزل وسار في اتجاه الحديقة المهجورة. خطا فوق الطريق الذي اجتاحته الأعشاب، وفتح علبة الطعام. لكن الغريب أنّه لم يظهر أيّ قط مشرّد.
تابع السير وهو يحمل حقيبته. رأى شخصًا يجلس على أحد المقاعد. كانت الشجيرات تحجب الرؤية الكاملة، فزاد من سرعته، قفز فوق الشجيرات واندفع نحو المقعد. قلبه يخفق بسرعة، وشعورٌ بالترقّب اجتاحه دون سبب واضح. عندما أزاح الأغصان، رأى شابًا يجلس على أحد أطراف المقعد، يحمل حقيبة كبيرة مليئة بعلب البيرة، وحوله قطط كثيرة تجمعت.
حدّق فو شينغ في الشاب، وتدفقت إلى ذهنه ذكرى ذلك الصباح… حين تغيّب عن المدرسة ليجد والده العاطل عن العمل هنا.
جلس على الطرف الآخر من المقعد وهو لا يزال يحمل علبة الطعام المفتوحة. وضعها على الأرض، وسرعان ما تحلقت القطط حولها.
قال الشاب وهو يبتسم:
” لماذ تغيّبت عن المدرسة مرّة أخرى؟”
لم يكن فو شينغ في مزاج يسمح له بالرد. حدّق في علبة طعام القطط بصمت.
“هل تريد بيرة؟ ستشعر أنك أفضل.” قالها الشاب وهو يفتح علبة بيرة ووضعها أمامه. وعندما سمع فو شينغ ذلك الصوت المألوف، التفت إلى الشاب، نظر إلى علبة البيرة ثم عبس وهزّ رأسه رافضًا.
ضحك الشاب وقال:
“أنت شاب في ريعان شبابه، لماذا تثقل كاهلك بهذا العبء كل يوم؟”
مدّ يده في جيبه، ثم أخرج صندوقًا أسود صغيرًا من الحقيبة الممتلئة بالبيرة بيده الأخرى. تمتم بصوت خافت:
“فكّرت لأيام إذ يجب علي أن أعطيك هذا الشيء او لا.”
لكن بدلًا من أن يعطيه الصندوق، أعاده إلى الحقيبة.
“أبدًا لا.
“استغرق مني الأمر وقتًا طويلًا لأُغيّر المستقبل… لا أرغب في أن أضيّعه.”
نهض الشاب ونظر إلى فو شينغ.
“لا يزال هناك كثيرون يحبونك في هذه الدنيا. وأعلم أنك اتخذت قرارك من أجلهم. لذلك…
لا تتغيب عن المدرسة مرة أخرى. ألم تُوعد أحدًا بأنك لن تفعل ذلك؟”ثم استدار وغادر بخطى هادئة، بينما فو شينغ يحدّق فيه مصدومًا.
وعندما شارف على مغادرة الحديقة، ضغط الشاب الغريب شيئًا في هاتفه.
رنّ هاتف. لم ينتبه فو شينغ في البداية، لكنه بعد ثوانٍ فتح حقيبته وأخرج الهاتف الذي اشتراه له والده. لم يكن يحوي سوى رقم واحد—رقم والده. ولم يكن أحد سواه يعرف رقم هذا الهاتف.
عندما شغّله، وجد رسالة جديدة من والده:
“كن شجاعًا وتقدم إلى الأمام. سر تلك المسافة. قابل المزيد من الناس، وشاهد أماكن أكثر. وكن نسخةً أفضل من نفسك.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
خزاااااااان احزاااااااان يا نااااااس .·´¯`(>▂<)´¯`·.
—