73 - قصة جانبية-(كريستينا) (2)
“هم~ هم~”
في دفء ضوء شمس الربيع اللطيف، وتحت ظل شجرةٍ عالية، كانت فتاة صغيرة ذات شعر فضّي تدندن بنعومة.
كانت تتكئ على كتف فتى ذو شعر أرجواني يجلس بجانبها، بينما كانت يداها الصغيرتان ترسمان بعناية مشهدًا ما.
“هل هذا جيد، شيا؟” سأل الفتى بهدوء، وهو يعبث بالخاتم اللعبة الذي يرتديه في يده اليمنى.
أما أصابع يده اليسرى فكانت تداعب بلطف الفتاة ذات الشعر الأبيض التي كانت نائمة بعمق، ورأسها مستند إلى حجره.
“نعم.” أجابت الفتاة وهي تومئ برأسها وتبتسم له.
“لـ-لكن… أليس هو من أعطاه لـ—”
“وأنا أعطيه لك.” ردّت الفتاة، وهي تهز رأسها قبل أن تركز مجددًا على رسمها.
نظر إليها الفتى بصمت، قبل أن يواصل مداعبة الفتاة ذات الشعر الأبيض.
“….هل ستطلبينه مني مجددًا؟” سأل بعد لحظة من التردد.
توقفت شايامل عن الرسم، ونظرت إليه. “ولماذا أفعل ذلك؟”
“…لا، لن تفعلي.” همس الفتى برفق، وهو يهز رأسه.
“آز…” تمتمت، وهي تنظر في عينيه، “أنت… لن تتركني، صحيح؟”
“…ولماذا أفعل ذلك؟” ابتسم، ليعيد عليها السؤال، ما جعل الابتسامة تعود لوجهها كذلك.
“….لن تفعل.” أجابت، ثم غيّرت وضعيتها لتُريه الرسم الذي أنهته. “انظر، هذا أنا وأنت.”
نظر آزاريا إلى الرسم البسيط الذي رسمته لنفسها وهي ترتدي فستانًا أسود، تمسك بيده، بينما هو يرتدي بذلة سوداء، وكلاهما يبتسمان بسعادة.
“….إنه جميل.” قالها بإخلاص وابتسامة مشرقة، ما جعل شايامل تبتسم بخيلاء، رافعة ذقنها بفخر.
“هيه! أريانيِل!” صاحت، وهي تهز الفتاة النائمة في حجره. “آز مدحني!”
“آرغ… دعيني أنام.” تمتمت أريانيِل، وهي تغلق عينيها بعناد.
“انهضي! أنتِ تنامين كثيرًا.” تذمّرت شايامل، وهي تهز كتفها.
“دعيها تنم.” تمتم آزاريا، ناظرًا إليها، ما جعله يتلقى نظرة متجهمة من الفتاة ذات الشعر الفضي.
“و-لكنها نوبتي…” تمتمت بتردد.
“…..إذن اتكئي عليّ.” عرض آزاريا، وهو يمدّ كتفه لها.
“لكن!—”
“هل يمكنكم أن تصمتوا؟” قاطعهم صوت آخر، مما جعلهم يلتفتون ليروا آليا تحدّق فيهم بغضب، وهي تشير إلى أوليفر الذي كان نائمًا بسلام إلى جانبها.
“ألا ترون أنه نائم؟”
“….آسف.” اعتذر آزاريا قبل أن يلقي نظرة على شايامل.
“…حسنًا.” تمتمت بتذمّر خافت، وهي تغيّر وضعيتها لتتّكئ على آزاريا حتى شعرت بالراحة.
تركها تفعل ما تفعله بينما كان ينظر حوله قبل أن يتمتم، “أين ذهبت كريستينا؟”
…..
….
…..
“ما قصة هذا المكان؟”
تمتمت فتاة شابة ذات شعر أزرق ياقوتي لنفسها، بينما كانت تتوغّل أعمق داخل الحديقة، وعيناها الزرقاوان المليئتان بالفضول والحيرة تتفحّصان الأزهار المختلفة التي تُزيّن المكان من حولها.
“آز سيعجب به.” همست بابتسامة، وهي تلمس عقدها قبل أن تنحني وتلتقط زهرة بيضاء جميلة.
“….ما الذي تفعلينه، أيتها الطفلة؟”
“كياا!!”
بفزع، التفتت كريستينا فورًا نحو مصدر الصوت، لتجد امرأة واقفة خلفها تمامًا.
كانت ترتدي رداءً أبيضًا متدفقًا، وبشرتها تشع بنعومة، بينما كان شعرها الأخضر الزمردي ينحدر على ظهرها حتى بلغ ركبتيها.
شعرت كريستينا بشعور من السلام يغمرها في حضورها.
“…..ما الذي تفعلينه هنا، أيتها الطفلة؟” سألتها المرأة مرة أخرى، وصوتها مليء باللطف.
“أنا… لست متأكّدة.” تلعثمت كريستينا، وكلماتها تتساقط بسرعة. “كنت أستكشف فقط، وأعتقد أنني… ضعتُ.”
“هممم؟” أمالت المرأة رأسها باستغراب. “كيف يمكنكِ أن تضيعي في مكانٍ قاحلٍ كهذا؟”
“أنا… لا أعلم.”
“أفهم.” ردّت بوجه متفكّر، وهي تنظر إلى عقدها قبل أن تستدير مرة أخرى. “تعالي معي.”
“ل-لكن.”
“لن أفعل لكِ شيئًا، طفلة، لا تقلقي.”
ترددت كريستينا قليلاً قبل أن تمشي خلفها، وأثناء تتبعها، سمعت صوت خرير ماء خفيف.
تتبعت الصوت حتى وصلت إلى فسحة صغيرة، حيث كان هناك معبد نقي يتوسطه بين الأزهار، مزخرف بنقوش معقدة وتقديمات دقيقة من الفواكه.
دخلت المرأة إلى داخل المعبد، وتبعتها كريستينا عن كثب.
“….تبدين محتارة، أيتها الطفلة.” سألتها المرأة بابتسامة، وهي تشعل شمعة تنير المكان.
نظرت كريستينا حول المعبد الجميل والبسيط في آنٍ معًا، ثم عادت تركّز على المرأة.
“….من أنتِ؟ وأين أنا؟”
“أنا الكاهنة سَنا.” أجابت المرأة بابتسامة قبل أن تجلس على الأرض.
“و…. مرحبًا بكِ في معبد الإلهة أناستاسيا.”
أخذت كريستينا لحظة لتستوعب قبل أن تصيح، “آه، الإلهة التي تم نفيها—”
“….أنتِ في معبدها، أيتها الطفلة.” قاطعتها سنا بابتسامة، مشيرة لها أن تجلس.
“…أنا آسفة.” اعتذرت كريستينا بخجل قبل أن تجلس أمامها.
“…أري لي يدك.” قالت سنا وهي تنظر إليها.
“لماذا؟” تساءلت كريستينا ، معقدة حاجبيها.
“لكي أخبركِ من هو عاشقكِ المحتوم.” ردت سنا بابتسامة لطيفة.
“…أنا أعرف ذلك بالفعل.” هزّت كريستينا رأسها.
“…تبدين واثقة.” أكدت سنا ، وما زالت تبتسم بخفة.
“أنا كذلك.”
“…مع ذلك، يمكنني أن أخبركِ أشياءً لا تعرفينها.” أصرت سنا ، مما أثار فضول كريستينا .
“مثل ماذا؟” سألت، لكن سنا أكتفت بالإشارة لها أن تظهر يدها.
“آه…”
تنهدت كريستينا ومدّت يدها اليمنى نحو سنا .
أخذت سنا يدها، وقبضت عليها بلطف في يديها، وأغمضت عينيها، مركزة كل انتباهها على يد كريستينا .
“….لدينا مشكلة، أيتها الطفلة.” همست سنا بعد بضع ثوانٍ من الصمت.
“…ماذا؟”
“…عاشقكِ المحتوم مرتبط بأكثر من فتاة.” ردّت، مما جعل تعبير كريستينا يتصلب.
“…ماذا تعنين؟”
“…أنه عليكِ أن تشاركي.” أخبرتها سنا ، مما جعل كريستينا توجه نظرة حادة إليها.
“يجب أن يكون العاشق المحتوم واحدًا فقط، أليس كذلك؟”
“الناس يعيشون أكثر من حياة واحدة، أيتها الطفلة.” أجابت سنا بابتسامة هادئة، “…أحيانًا يستمر حب حياة سابقة إلى الحياة التالية.”
“…لن أسمح بذلك.” هزّت كريستينا رأسها متذمرة، “لن أسمح لأحد أن يأخذ قلبه.”
ابتسمت سنا ببساطة لكلماتها قبل أن تغمض عينيها مجددًا، مركزة انتباهها على يد كريستينا .
“…هممم؟” عقدت سنا حاجبيها، وارتسم على وجهها تعبير مؤلم.
“ماذا حدث؟” سألت كريستينا ، وقد زاد قلقها وهي ترى الدم يتلاشى من وجه سنا .
“ر-رؤية.” ردّت سنا بتلعثم قبل أن تضغط على يد كريستينا .
“هيه! هل… هل أنتِ بخير؟” تعمق قلق كريستينا وهي تنظر إلى سنا .
“صبي.” أخذت سنا نفسًا عميقًا، وعينيها ما زالتا مغمضتين. “أرى صبيًا.”
صمتت كريستينا ، مستمعة بانتباه بينما واصلت سنا شرح ما كانت تراه في رؤياها.
“أنا… أرى صبيًا جاثيًا على الأرض…. تاجًا مكسورًا مزينًا على رأسه….
…..أنا… أرى… أجنحةً جميلة تحترق…
خ-خط دمٍ ينحدر على خده من عينيه المغلقتين…. هو…
يعانق بلطف ثلاث فتيات في ذراعيه…
….خيوطٌ حمراء تربط الفتيات به….
… وعدد قليل من خيوط الحمراء تربطه بشخصٍ ما في الرؤية أبعد من ذلك…. الفتيات…
يبدون نائمات بسلام رغم الموت الذي يحيط بهن… لكن…
الصبي كان مربوطًا أيضًا بخيط أسود آخر…. ….مثل دمية، كل أطرافه مربوطة بخيوطٍ كانت….”
…..كانت تحت سيطرة المرأة الطويلة التي تقف خلفه….
….عيناها مغلقتان—.”
وقع صوت صدى ثقيل!
سقط جسد الكاهنة بلا حول ولا قوة على الأرض قبل أن تكمل كلامها، وبدأت عيناها تدوران إلى الخلف بينما تنساب الدماء من أنفها.
“هيه! سنا! ماذا حدث!؟” تفاجأت كريستينا، واستغرقها بعض الوقت قبل أن تهزها بلطف وتناديها بصوت عالٍ.
“سنا!”
“هااا… سعال.. سعال… هااا…”
فتحت سنا عينيها على مصراعيهما مع عودتها إلى الوعي، وتنفسها متقطع وصاخب. وبعد أن سعلت، بدأت تنهض ببطء.
“ماذا حدث!؟” سألت كريستينا بقلق، تراقبها وهي تمسح الدم عن أنفها.
“ه-هي رأتني.” ارتجف جسد سنا كله وهي تغمض عينيها، تحاول يائسة تهدئة نفسها.
“ه-هي لاحظتني حتى في رؤياي.”
“عن من تتحدثين؟” سألت كريستينا بحيرة، مما جعل سنا تركز عليها.
“أيتها الطفلة.” همست سنا برقة وهي تمسك بكتفي كريستينا، “….من وقعتِ في حبه؟”
“…لماذا تسألين ذلك؟” ردت كريستينا، وهي تشعر بأن قبضة سنا على كتفيها تشتد.
“…لا يهم، لكن ابتداءً من الآن، أرجوكِ ابتعدي عنه.” هزّت رأسها بطلب مخلص.
“…ابتعد؟” نظرت إليها كريستينا بغضب وسألت، “لماذا يجب أن أبتعد—”
“هل جننتِ، أيتها الطفلة!؟” صرخت سنا وهي تمسك بكتفيها بقوة، “قلت لكِ إن الموت يحيط بذلك الصبي!!”
“….لماذا يجب أن أصدقك؟” حاولت كريستينا التحرر، لكن ذلك جعل قبضة سنا تشتد أكثر، “…دعيني!!”
“….أنتِ مميزة، أيتها الطفلة.” همست سنا برقة، وعيناها محمرتان قليلاً، “أنتِ ستخاطرين بحياتكِ فقط لأنكِ بالقرب منه.”
سكتت كريستينا، تستمع لكلماتها، ثم أغمضت عينيها برفق وفتحتهما. “…لن أتركه.”
“….هل يستحق أن تخاطرين بحياتك من أجله؟” سألتها سنا، تحدق بها.
“أنا… لا… أعرف.” تمتمت كريستينا، “لن أعرف حتى أجرب.”
“هاهاها.” أطلقت سنا ضحكة ضعيفة وهي تخفف قبضتها عن كتف كريستينا، “…ماذا فعل لكِ ذلك الصبي؟”
“لا شيء.”
“…أفهم.” ردّت سنا بصوت خافت. “…إلهتي كانت تبكي من أجل حبها… أتمنى ألا يحدث لكِ نفس الشيء.”
بقيت كريستينا صامتة، دون أن ترد على كلماتها، ثم نهضت برفق من على الأرض.
“….هل حصلتِ على إجابتكِ؟”
“…ماذا تعنين؟” سألت كريستينا بينما وقعت نظرة سنا على عقدها.
“…كيف جئتِ إلى هنا؟” سألتها سنا وهي تنظر بعمق في عينيها.
“…لقد ضعتُ—”
“توقفي عن الكذب عليّ، أيتها الطفلة.” قاطعتها سنا.
“…أعلم أنكِ لم تضيعي، في الواقع، لا ينبغي لكِ أن تكوني هنا.”
ظلت كريستينا صامتة، مما جعل سنا تتابع كلامها.
“سأسألكِ مرة أخرى، أيتها الطفلة…
….لماذا أنتِ هنا؟”