25 - متاهة تحت (4)
أخذت أنظر حولي، أراقب المجموعة التي أحاطت بي. خمسة أشخاص يشكّلون دائرة ضيقة.
ملابسهم كانت ممزقة وغير متناسقة، تعطيهم مظهر المتشردين أو المنبوذين.
“الزواحف…” تمتمت، متذكرًا التحذير الذي تلقيته قبل دخولي المتاهة.
“يبدو أن الحمل الضائع يعرفنا،” قال أحدهم بسخرية، يرمقني بنظرة ازدراء.
سحبت سيفي من جانب الحقيبة، ثم رميتها جانبًا.
“خذوها إذا تبغون،” قلت ببرود، لم أكن في مزاج للقتال.
ضحك القائد، رجل ضخم بندبة تعبر وجنته، ضحكة ثقيلة ومزعجة: “أوه، بنأخذ أكثر من مجرد حقيبتك، يا حمل صغير.”
“خذ أغراضي واغرب عن وجهي، لا تعقّد الأمور علينا، أيها الحقير،” قلت وأنا أحدّق في عينيه.
قهقهته تحولت إلى زمجرة: “وقح.”
اقترب خطوة وقال: “لكن إحنا ما نأخذ أوامر من أشباهك.”
“يمكن أغيّر رأيي لو قضى معي ليلة،” قالت المرأة الوحيدة فيهم، تحدّق بي بإغراء واضح.
“أنا قاصر، أيتها الحقيرة،” رددت باحتقار.
ضحكت بخفة: “أحسن. أحبهم صغار وعنيدين.”
ضحك الباقون، عدا القائد.
“…ليش لابس قناع، يا حمل صغير؟” سأل أحدهم وهو يحدق في وجهي.
‘إيل، وش تتوقع يصير لو شافوا وجهي؟ ممكن يهربون؟’
[… لا تسوّيها. ممكن تنقلب ضدك.]
‘عارف.’
“مو شغلك،” قلت وأنا أُحكم قبضتي على سيفي.
“أرنا وجهك، يا ولد،” قال القائد وهو يرمقني باهتمام.
“…لا، يا ابن الكلب،” رددت، وأنا ألاحظ أنهم يقتربون أكثر.
المرأة اقتربت بخطوة، وعيونها تلمع: “مثير للاهتمام… يمكن نساعدك بشي.”
“…انزع القناع، لا تصعّب الأمور،” قال القائد من جديد، عيونه مثبتة علي.
“تمام، يا وسخ،” قلت وأنا أنزع القناع.
ساد صمت قصير.
وقبل أن ينطق القائد، سقطت المرأة على مؤخرتها، جسدها يرتجف.
“ا-ابن الدوقة…” تمتمت، تشير إلي بيد مرتجفة.
“وش؟!” صرخ القائد، لكن المرأة تجاهلته.
“اقـتـلـوه! اقـتـلـوه!” صرخت بجنون.
“اسكتي، أيتها المجنونة!” زمجر القائد.
لكنها لم تتوقف، عيناها مليئتان بالرعب: “اقتلوه قبل فوات الأوان!”
“ليش تصرخين؟!” قال القائد بانزعاج، وكأن كلماته أعادتها لوعيها.
نظرت إليّ مجددًا: “ه-هو ابنها… ابن الدوقة إيزميراي.”
ساد الصمت. التوتر خيّم، وكل واحد سحب سلاحه.
“متأكدة؟” سأل القائد، ينظر بيني وبينها.
“حتى لو يشبه، لازم نقتله،” قالت وهي ترتجف. “لو عرفت إننا هدّدنا ولدها… مصيرنا أسوأ من الموت.”
“…أو تتركوني، وننسى كل شيء،” قلت آملاً الخروج بدون قتال.
“وتحسبنا غافلين عنك!” صرخت، تحدّق بي وكأنها على وشك الانفجار. “أكيد بتذبحنا أول ما تطلع من هنا.”
تنهدت داخليًا. آزاريا القديم ربما فعلها… أما أنا، فلدي ما هو أهم.
“بس خلّوني بحالي، أيتها الحقيرة،” زمجرت.
“لا! تبينا نثق في ولد ذيك المرأة؟” صرخت، يأسها وذعرها يملأ صوتها.
“تذكّروا التطهير العظيم قبل ١٥ سنة. ذيك المرأة لحالها أبادت شعب مملكة هيسبيريا، وقتلت عائلة دوق وفيكونت من الإمبراطورية.”
“مو كانت مجرد إشاعات؟” سأل أحدهم.
“لا! صحيحة،” هزت رأسها بعنف. “كنت هناك… لما أعدمت العائلة… خلطت جثثهم… حتى الطفل ما سلم.”
شعرت بنظراتهم تخترقني.
[آزاريا.]
‘عارف.’
أخرجت سكينًا من جيبي ورميته عليها… لكني أخطأت الهدف. بس نبهتهم.
“اهجموه!”
“تبًّا!”
تفاديت ضربة سيف موجهة لرأسي، تراجعت. البقية طوقوني.
كلنك.
“آرغ…” تصديت لضربة، ثم أمسكت بالمهاجم وضربت وجهه بكتفي.
تراجع وهو يمسك أنفه، لكنني قبضت على عنقه من الخلف وغرست سيفي في بطنه.
السيف خرج من الجهة الأخرى. تحركت جانبًا، أتفادى ضربة مطرقة.
“آه… اللعنة…”
واحد منهم طعنني في خاصرتي.
“أوووه…”
عضضت شفتي من الألم، ورددت بركلة على ركبته.
نزف جانبي، الأرض تلطخت.
هجوم آخر من الجانب، سلاحه مرفوع.
تحركت غريزيًا، التففت، وضربته انزلقت على كتفي.
“آه…” جاءني هجوم بسكين، صدّيته بيدي، وجرحت ساعدي.
“آآآه! آرغ!”
رغم الألم، لم أترك الفرصة. فقأت عينيه.
صرخ وتراجع.
استغليت اللحظة، انتزعت السكين من ساعدي، وغرسته في رأسه.
ساعدي كان ينزف.
بقي ثلاثة.
انطلقت نحو حامل المطرقة.
لاحظني، وهاجم.
“آرgh… اللعنة…” أملت رأسي، الضربة أصابت كتفي.
ألم… كأن عظامي تكسرت.
تجاهلت الإصابة، أمسكت وجهه بكلتا يدي.
اللي يخليهم أصعب مني رغم أن رتبنا متقاربة هو إنهم ينظّمون المانا داخل أجسادهم، فيصيرون أصلب.
لكن…
[نيفله.]
تمتمت وأنا لا زلت ممسكًا بوجهه. دمي تحوّل إلى ضباب جليدي، دخل أنفه وفمه.
“آآآآه—” صرخ، ثم توقف فجأة لما هشمت جمجمته. سقط بلا رأس.
“ههف… ههف…” تنفست، أنظر للاثنين الباقيين.
القائد والمرأة، اقتربوا مستعدين.
“تدرون؟” قلت وأنا أتنفس، “خسارتكم بدأت أول ما نزل دمي على الأرض.”
[موسبله.]
تمتمت، ومددت يدي.
وفي لحظة، كل مكان نزل فيه دمي، اشتعل بنار قرمزية.
المرأة نجت. القائد لم ينجُ.
“آآآآه!”
صرخ وهو يحترق. جلده يتفحم.
التقطت سيفًا وطعنته في جذعه.
“آآآآه!”
ركلته ليسقط يتلوى.
نظرت للمرأة. كانت ترتجف.
“أرجوك… د…دعني أعيش—” لكنها لم تكمل، أمسكت المطرقة وضربت مؤخرة رأسها.
“آآآآه!”
صرخت، لكني واصلت الضرب.
كل ضربة كانت تحطم العظم.
رؤيتي مغبشة. لم أعد أراها.
وأخيرًا، توقفت. جمجمتها تحطمت. ماتت.
تراجعت. سقطت المطرقة من يدي.
“ههف… ههف…”
يداي ملطختان بالدماء، أتنفس بصعوبة، أحاول أستوعب ما حدث.
[…أول مرة تقتل؟] سأل إيل، يلاحظ رد فعلي.
لم أجب. نظرت إلى يدي، مغطاتين بالدم.
تذكرت… من ماضي إيندِر سِفْتِس.
“…لا،” قلت، يدي تسقط. “أنا… قتلت من قبل.”
[من؟]
لم أجب.
أغمضت عيني.
“أنا… قتلت والدي.”