534 - النجاة
النجاة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
من خلال تجاربه السابقة، أدرك “هان فاي” أن كلما طالت مدة بقائه داخل عالم الذكريات، ازدادت المهمة تعقيدًا.
«مهمة حاكم المرآة تطلّبت مني النجاة لثلاثين يومًا، لكنني فقدت القدرة على المقاومة بعد خمسة عشر يومًا. ينبغي أن أنهي هذه المهمة بأسرع ما يمكن.»
راح “هان فاي” يسير بحذر في الشارع، متوجسًا من أن يندفع نحوه أحدهم فجأة حاملاً سكينًا ليطعنه، إذ إنه أكثر شخص يمقته المالك.
«إن كانت المهمة مشابهة للمرة السابقة، فعليّ إصلاح ندم المالك قبل أن أتمكّن من الوصول إلى مخزوني، لذا هدفي الرئيس الآن هو معرفة ما يندم عليه “فو شينغ”.»
أخذ “هان فاي” يبحث عن عنوان شركته، وفجأة تحطّمت نافذة أحد المتاجر أمامه، وتناثرت الشظايا في كل اتجاه، ثم اندفع رجل ملثم خارجًا وهو يحمل حقيبة مجوهرات. كان يتحرك بخفة تفوق الطبيعي، إذ فرّ إلى زقاق جانبي بغنيمته.
«هل كان مجرد لص عادي، أم لاعبًا؟»
أخرج “هان فاي” هاتفه وسجّل هروب الرجل، إذ شعر بأنه لا ينتمي إلى هذا العالم. خرج صاحب المتجر راكضًا طالبًا النجدة، لكن اللص كان قد اختفى منذ زمن. ناوله “هان فاي” الصورة التي التقطها قبل أن يغادر المكان.
ظلّ “هان فاي” يدور في المدينة حتى وصل إلى مقر عمله، ناطحة سحاب يبلغ ارتفاعها ثلاثين طابقًا تقريبًا، وكانت شركته تستأجر طابقًا بأكمله منها.
ما إن ضغط على زر المصعد ودخله، حتى رمقته امرأة ترتدي بزّة عمل بنظرة حادة وقالت:
“فو يي، أنت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. انظر إلى ساعتك، كم الوقت الآن؟”
ردّ “هان فاي” سريعًا: “الأخت تشيان، اعترض طريقي لص مجوهرات في الطريق للعمل. لدي صور كدليل.”
لطالما تمسّك “هان فاي” بعادته في استخدام الأدلة، فأراها الهاتف.
تجهمت المرأة واقتربت لتتفحّص الصورة. اسمها كان “تشاو تشيان”، تكبر والد المالك بعامين، لكنها بدت أصغر بكثير، تشعّ أناقة وجاذبية امرأة ناضجة. تمثّلت فيها المهنية والموضة والثروة. اقتربت من “هان فاي” بدرجة كافية لتجعله يتساءل: هل ستقتلني الآن؟
بعد أن تأكدت من صدق قوله، تركته يمرّ وقالت وهي تسير بكعبها العالي إلى مكتبها:
“اذهب إلى عملك إذن، وسنرى العذر الذي ستقدمه غدًا.”
دخل “هان فاي” الغرفة المجاورة لمكتب “تشاو تشيان” قائلاً لنفسه:
«أنا ضمن مجموعة التصميم.»
فتح الباب، فوجد أربعة موظفين يعملون بجدّ.
«هل هذه بيئة عملي؟»
توجه إلى مكتبه في الخلف، وفي طريقه مرّ بجانب “لي غوه إر”، فتاة تضع نظارة، كانت مندمجة في عملها، ولم تبدُ وكأنها تنوي قتله. كانت ترتدي ملابس شبابية غير رسمية، كما لو أنها تخرّجت حديثًا.
جلس “هان فاي” في مكانه وفتح ملفات العمل، لكنه لم يفهم منها شيئًا، فبدأ بلعب “Plants vs. Zombies”.
«متى ينتهي وقت الدوام؟»
لم يكن يتكاسل، بل خشي من أن تسبّب مؤهلاته المبالغ بها في انهيار الشركة إن باشر العمل بجدّ، مما يؤدي إلى فقدان زملائه وظائفهم.
م.م( القدرة الخاصة تخريب الاعمال تم التفعيل هاها)
«عليّ أولًا معرفة السبب الذي جعل “لي غوه إر” ترغب بقتلي. حسب سجلات الدردشة، فهي زميلتي الأصغر.»
وما إن بدأ جولة جديدة في اللعبة، حتى اندفع رجل إلى الغرفة وصاح:
“تحتاج إلى كل هذا الوقت لتضع مقترح حركة؟”
أجاب “هان فاي” ببساطة: “جوهر ألعاب الأكشن هو الحركة، لذا من الطبيعي أن تستغرق وقتًا أطول.”
قال الرجل بغضب: “فو يي، هل تحاول افتعال مشكلة معي؟ أعلم أنك مستاء من استبدالك، لكن لا تصبّ غضبك عليّ. تحدث مع الأخت تشاو بدلًا من ذلك.”
طمأنه “هان فاي”: “سأنهي التصميم، لا تقلق.”
ثم أغلق اللعبة، وفتح لعبة سوليتر بدلاً منها، ثم عاد إلى تصفح الملفات.
اللعبة التي يعملون عليها كانت بعنوان “الخالد”، لعبة استكشاف ضخمة تصوّر مستقبلًا بلغت فيه البشرية الخلود، وبنَت مدينة متروبوليس ضخمة. البطل لم يكن خالدًا بسبب خلل جيني، ما جعله في أدنى درجات الهرم الاجتماعي.
كان “فو يي” قد قاد المشروع في بدايته، لكن الإدارة العليا استبدلته بشخص آخر معتبرةً أنه غير كفء، ثم نقلته للعمل على لعبة مواعدة.
«ولماذا تحتاج لعبة مواعدة إلى مشاهد حركة أصلاً؟»
تساءل “هان فاي” في نفسه، ثم استلم ملفًا من “لي غوه إر”، وعندما فتحه وجده مليئًا بمشاهد غير قابلة للوصف.
“هذا كثير جدًا…”
شعر “هان فاي” بضرورة التحدث معها، فتوجّه إلى مكتبها قائلًا:
“رغم أن لعبتنا مخصصة للبالغين، أليست هذه الصور فاحشة جدًا؟”
ردّت بسرعة: “لكن هذه كانت تعليماتك. قلت إننا بحاجة فقط لبيع الشهوة في لعبة المواعدة. وقد أجريت بحثًا في السوق، واتضح أنك محق، الجميع يحاول تخطي الخطوط الحمراء للأخلاق.”
قال “هان فاي”: “بما أن الجميع يسير في الاتجاه نفسه، لِم لا نخالفهم؟ ما رأيك بإضافة عنصر الرعب للعبة؟”
استغربت: “لعبة مواعدة مرعبة؟”
شرح “هان فاي” فكرته:
“البطل رجل سيء أساء لعدد من الفتيات الطيّبات. وفي أحد الأيام، قرّرن الانتقام منه. لاحقنه بهدف قتله. حينها أدرك أخطاءه، وحاول تصحيحها قبل أن يلحقه العقاب.”
علّقت “لي غوه إر” بنظرة مخيفة خلف نظارتها:
“فكرة مثيرة للاهتمام… قائدنا، من أين جاءتك هذه الفكرة؟”
ابتسم “هان فاي” وقال:
“حين تعمل بإخلاص، تأتيك الأفكار من تلقاء نفسها. لا يمكننا تغيير أخطاء الماضي، لكن يمكننا تصحيحها.”
ثم التقط الملف وأردف:
“بما أننا لم نحدّد الحبكة الأساسية بعد، فلا يزال بإمكاننا تعديلها.”
تنهّد زملاؤه وقال أحدهم:
“قائد… هل أنت جاد؟ لقد عملنا لساعات إضافية طوال اليومين الماضيين.”
ابتسم هان فاي وقال:
“لا تقلقوا. أنا أكره العمل الإضافي أكثر منكم. سنغادر في الوقت المحدد، وإن تأخرنا، سأتحمّل المسؤولية وحدي.”
ثم ناقش مع الفريق تفاصيل لعبة المواعدة المرعبة. لقد كان يملك خبرة فريدة من نوعها:
“مشهد تقطيع اللحم يمكن أن يُعرض عند الساعة الثالثة فجرًا، والزوجة تحاول قتله أيضًا، لا تقلقوا بشأن الرعب، هذا جمهورنا المستهدف.
“تقولون إنه مسكين؟ لقد خان زوجته مرارًا، فما المانع إن طعنته مرتين؟
“عقولكم مقيدة بالوهم… من قال إن الموت هو النهاية؟ أليس هناك شيء اسمه أرواح؟”
“أنتم تسألون الشخص المناسب عن اللعنات…”
تحت إشرافه، انفتحت عقول أعضاء الفريق. لقد أدركوا أخيرًا لماذا كان “فو يي” في السابق رئيس مصممي الألعاب في الشركة. هذه الأفكار الجنونية والمثيرة لا يمكن أن تأتي من شخص عادي.
ثم فُتح باب المكتب ودخل أحد الموظفين قائلاً:
“القائد فو، هناك من يبحث عنك في الطابق السفلي.”
“حسنًا.” ردّ هان فاي، وخرج من المكتب بعد أن أوصى فريقه ببعض التعديلات.
عندما وصل إلى الردهة، رأى فتاة ترتدي فستانًا أصفر تقف عند الباب، بدت خجولة وتحمل كوبين من القهوة.
من هذه؟ راح يتذكر المحادثات السابقة في هاتفه، فعرف أنها فتاة تُدعى “وانغ ميجيا”، تعرف عليها “فو يي” عبر الإنترنت عبر حسابه السري.
كانت قد تركت الدراسة بعد الثانوية وتعمل في متجر تابع لأقاربها.
كان “فو يي” متزوجًا، وها هي فتاة شابة تأتي إلى مكان عمله، ما جعل الهمسات تنتشر بين الزملاء.
سألها:
“لماذا أتيت لرؤيتي؟”
قالت الفتاة:
“لم أعد أحب شاي الحليب، أظن أن القهوة ليست سيئة.”
ثم قدّمت له الكوب.
جلسا معًا في الردهة، وأبقى هان فاي بينه وبينها مسافة آمنة. لاحظ أن عينيها موجهتان إلى كوب القهوة، فبدأ يشك.
بدأ يسألها عن أحوالها. وفي البداية أجابت بلا مبالاة، لكن قدرته في الحديث جعلتها تنفتح أخيرًا. روت له كيف أن أقاربها يعاملونها بسوء، وكيف طردها زوج أمها من المنزل لأن أخاها الأصغر يحتاج إلى غرفته الخاصة.
قالت ببرود بينما كانت قبضتاها مشدودتين:
“لقد طردني زوج أمي من البيت.”
فقال لها هان فاي بلطف أبوي:
“عليك أن تبحثي عن مكان تسكنين فيه، فأنت وحدك، وعليك أن تهتمي بنفسك. سأحاول إيجاد وظيفة لك بأقرب وقت.”
ثم حوّل لها بعض المال، وأعطاها عدة نصائح كأنها ابنته.
“هناك نزل قريب، وإذا استأجرتي الغرفة لشهر، سيكون السعر أرخص. كما أنه قريب من الشركة، ويمكنك زيارتي إن واجهتِ مشكلة.”
كلماته كانت دافئة، وتصرّف بحذر مع الفتاة، محاولًا إصلاح ما فعله “فو يي” سابقًا.
لكن نظرات الفتاة بقيت تلاحق كوب القهوة.
قال لها أخيرًا:
“تعالي، سأرافقك إلى النزل.”
ارتجفت “وانغ ميجيا” عند سماع ذلك، ثم خرجا سويًا.
أوصلها هان فاي إلى باب النزل، لكنه لم يدخل. تصرف كأب قلق على ابنته، وعندما همّ بالمغادرة، اندفعت الفتاة فجأة نحوه وهي تصرخ:
“لماذا أصبحت لطيفًا فجأة؟ أيها الكاذب!” ثم ركضت هاربة.
صمد هان فاي، لكن كوب القهوة سُكِب، فتطايرت القهوة الداكنة في أرجاء المكان. غير أن ما لفت الانتباه أكثر هو أن رائحة قهوة الفتاة بدت غريبة مقارنةً بالقهوة العادية.
هل كانت تنوي تسميمي؟ هزّ رأسه يائسًا.
لم أدخل علاقة عاطفية واحدة في حياتي، ومع ذلك حاولت أربع نساء قتلي بالفعل… يبدو أن صاحب المذبح يحمل كرهًا عميقًا لأبيه.
ثم رأى قطة شاردة تقترب من القهوة المسكوبة.
“هذه ليست لك، أيتها القطة الغبية.” التقط القطة، وذهب ليستعير ممسحة ودلوًا من النزل، ثم نظّف المكان وغادر.
عاد إلى المكتب، لكنه لاحظ نظرات زملائه الغريبة، فقد انتشرت الشائعات عنه. تجاهلهم كعادته، وألقى التحية على الجميع وعاد إلى قسم التصميم.
كان زملاؤه الأربعة يعملون بجد، لكن الستارة في المكتب كانت مسدلة، ما يعني أنهم ربما كانوا يراقبونه من النافذة.
مرّ هان فاي بجانب مكتب “لي غوه إر”، ولاحظ أنها ترسم مسودة جديدة.
“ما هذا؟”
“أفكر في جعل الطالبة الجامعية تسمّم الشخصية الرئيسية.” قالت دون أن تنظر إليه.
“فكرة جيدة. ضعيها.”
عاد هان فاي إلى مقعده مبتسمًا بسخرية حزينة، ثم نظر إلى الساعة، وبدأ جولة جديدة من Plants vs Zombies.
راقبته “لي غوه إر” من الخلف، ثم أدرجت قطة شاردة في أحد مشاهد اللعبة، حيث بدا البطل مطعونًا في صدره ومحاطًا بنظرات الازدراء. وحدها تلك القطة الضالة كانت بجواره، تلعق يده الباردة بصمت.
—