71 - (النادي)(النهاية)
تصفيق، تصفيق، تصفيق!
رفعت بصري عند سماعي صوت التصفيق يتردد في أذني، وكانت رؤيتي مشوبة بلون أحمر حين التقت نظراتي بنظرات ‘إيفان’، الذي كان يتقدّم نحوي وهو يصفّق.
“هاه… هاه…”
أخذت أنفاسًا عميقة لتهدئة قلبي المرتجف، متجاهلًا الألم الممضّ الذي لا يزال يتسلل في ظهري بفعل الطعنة.
“أنا مندهش، ‘آزاريا’.” علّق ‘إيفان’ بينما كنت أحدّق به.
“لقد تخلّصت من ثمانية أشخاص بمفردك، رغم أنهم فقط فوق المتوسط، إلا أن ذلك إنجاز لا يستطيع سوى القلّة تحقيقه.”
اكتفيت بالتحديق فيه بنظرة حادة، رافضًا الرد.
“ما الذي جرى لك؟” سأل وهو يلتقط مطرقة الفأس خاصّتي من الأرض. “أين ذهب ذلك ‘آزاريا’ الجبان المتذمّر، الذي كان يختبئ خلف والدته؟”
“هاه… هاه…”
ما زلت أتجاهله، مركزًا على نبضات قلبي غير المنتظمة.
“أخبرني، ‘آزاريا’.” قال وهو يضع المطرقة تحت ذقني، “كيف أصبحتَ قويًا إلى هذا الحد؟”
“الــ-ـذي طـ-ـعن ظـ-ـهـري…” تجاهلته وحدّقت نحو ذلك الرجل حامل السكين.
خرج صوتي متقطعًا ومرهقًا: “مـ-ـا اسمـ-ـك؟”
نظر إليّ بحيرة قبل أن يلتفت نحو ‘إيفان’.
“لِمَ تسأل؟” سأل ‘إيفان’ وهو يرفع وجهي بالمطرقة.
“أخبرني.” قلت مطالبًا، متجاهلًا سؤاله وأنا أحدّق بالرجل مجددًا.
“اسمه ‘ويستون’.” أجاب ‘إيفان’ بدلاً عنه، “والآن أجب عن سؤالي.”
“‘ويستون’… ‘ويستون’…” تمتمتُ باسمه عدة مرات، لأتأكد أنني لن أنساه لاحقًا.
“‘آزاريا’.”
“نعم، يا ابن الكلبة؟” رددت وأنا أحدّق في ‘إيفان’.
“…ماذا؟” سأل وهو يميل برأسه بحيرة.
“…هل في أذنك قضيب لتـ—”
باام!!
“آآآرغ… كحّ… كحّ…”
بدأت أسعل بعنف بعدما ضربني على فكي بمطرقتي قبل أن أُكمل كلامي.
“كحّ… واحد.”
همست وأنا أسعل وأنظر إليه.
“لِمَ تعدّ؟” سأل وهو يعيد المطرقة تحت ذقني.
“أحتاج أن أُعيدها…” رددت بابتسامة، متجاهلًا الألم في فكي.
“هاهاهاها.” ضحك مثل الأحمق، وهزّ رأسه نافيًا، “أنت قوي، لكنك لست قويًا بما يكفي لهزيمتـ—”
“ومن قال إنني سأكون من يهزمك؟” سألت بابتسامة عريضة.
تلاشت ابتسامته فجأة وهو يحدّق فيّ بغضب، “أنت لن تجرؤ، ‘آزار—'”
“لِمَ لا؟” سألته مجددًا، “ما الذي يمنعني من فعلها؟”
“أنت تظن—”
“لا، ‘إيفان’، بل أنت من يظن! فكّر في الأمر… أن يتم إذلالك على يد معشوقتـ—”
باام!!
“آآرغ… هاهاها.”
ضربني مجددًا، لكني لم أتمالك نفسي من الضحك.
باام!!
“ثـ-ـلاثة.”
باام!!
“أرـبـعة.”
باام!!
“خـ-ـمسة.”
“ما نوع الحشرة التي تكونها؟” قال وهو يمسك بشعري.
كريييييييييييك!!
لكن قبل أن أجيبه، فُتح الباب بعنف، مما جعل ‘إيفان’ يفقد توازنه ويتراجع.
“آزاريا؟!”
غمرني شعور بالارتياح حين سمعت صوت ‘أوليفر’.
وقبل أن أستوعب ما يجري، كان الطلاب الذين كانوا يمسكون بي يُزاحون جانبًا.
“هيه! ‘آزاريا’!! كلّمني!؟” صرخ، وهو يمسكني بحذر، مما جعلني أحدّق فيه.
“أنا مـ-ـش ميت، يا ابن الـ… خفّف صوتك.” تمتمت بهدوء، ليزفر براحة.
“ما الذي يحدث هنا؟” وتشنّجت عضلاتي على الفور حين سمعت صوتًا مألوفًا آخر.
ببطء، التفتُّ، والتقت عيناي بها.
بشعرها الأبيض المربوط وسيفٍ في يدها، بينما كانت عيناها البيضاوان تحدّقان بي.
ورأيت فيها… ما لم أُرِد رؤيته—القلق.
“ما الذي تفعلينه هنا، ‘آريانيـل’؟” سأل ‘آرتشي’ وهو يتقدّم نحوها.
“هل جُننتَ، ‘جوناثان’؟ ماذا فعلتَ به؟!” وبّخته وهي تُحدّق في ‘آرتشي’ بغضب، تقبض على يدها بإحكام.
“لقد هدّد الإمبراطورية!!”
“هل تملك دليلاً؟” سألت ‘آريانيـل’ بهدوء.
“أكلمتي ليست دليلاً كافيًا؟” سأل ‘آرتشي’ وهو يقترب منها.
“إذن أنا أقول إنه لم يفعل شيئًا كهذا.” ردّت أريانيل وهي تحدّق به بنظرات صارمة. “ونحن الاثنان نعلم مَن الذي لكلماته وزنٌ أكبر.”
“أنتِ تظنين—”
“هل أحتاج أن أُذكّرك مجددًا مَن أكون؟” قاطعته وسألته بنبرة حازمة.
نظر إليها آرتشي للحظة بتعبير لا يُقرأ، قبل أن يهزّ رأسه ويتراجع بعيدًا، قائلًا: “فقط تذكّري ما الذي تفعلينه.”
من دون أن تردّ، عادت أريانيل لتنظر إليّ مجددًا، ثم نظرت إلى أوليفر وسألته: “هل يمكنك أن تحمله؟”
“ن-نعم.” أجاب أوليفر قبل أن يساعدني على الوقوف.
“آرغ..” تأوهتُ وأنا أنهض، وكان جسدي كلّه يصرخ بالألم، ونحن نخرج من الغرفة.
“هيه! هيه! لا يمكنكِ فقط تجاهل ما حدث وكأنه لا شيء، أيتها الأميرة!” صاح إيفان من الجانب، وهو يرمقها بنظراتٍ نارية.
لكن آريا تجاهلته تمامًا بينما كانت تقودنا إلى خارج الغرفة.
“أتعلمين، أيتها الأميرة!!” صاح مجددًا، وكان الإحباط واضحًا في صوته.
“أمي تقول إنك مجرد فتاة متمردة تفعل ما يحلو لها، ويبدو أنها كانت محقّة بشأنك.”
توقّفت آريا عن السير، ثم استدارت نحوه وردّت: “قل لأمك إن كلماتها لا وزن لها في نظري.”
ثم تجاهلته مرة أخرى، وتابعت سيرها.
تبعناها خارج الغرفة، وبعد أن ابتعدنا بمسافة كافية عنهم، ربّتُّ على كتف أوليفر.
“أنزلني.” طلبت منه وأنا أحدّق فيه.
أومأ برأسه قبل أن يُنزِلني، وتوقفت أريانيل أمامنا أيضًا.
“لماذا لم تطلب المساعدة؟!” سألني وهو يحدق بي بغضب.
“عازلٌ للصوت.” همست بصوت خافت، وأنا أتكئ بجانبي الأيمن على الجدار.
مدّ يده ولمس فكي، ثم تمتم بقلق: “إنه منتفخ.”
“لا أشعر به.” أجبت، ورفعت كتفي باستهانة، لكنني شهقت مباشرة من الألم، إذ لا تزال السكين مغروسة في ظهري.
“سأنادي المُسعف حالًا.”
“هيه! لا تف—”
لكنه تجاهل كلماتي، وركض مبتعدًا، تاركًا إيّاي وحدي مع أريانيل.
“تنهد…”
تنهدتُ بعمق، وأنا أحدّق فيها بينما اقتربت منّي، ثم جثت أمامي وأخرجت منديلها القماشي.
“آرغ..”
تأوهتُ قليلًا حين سحبت يدي اليسرى بقوة وبدأت تغطي جُرحي بالمنديل.
“ما الذي تفعلينه هنا؟” سألتها بينما لا تزال جاثية، تنظر إليّ.
“أشلين طلبت مني أن أبحث عنك.” أجابت أريانيِل، فأومأتُ برأسي.
لقد كانت أَشْلِن قلقة عليّ منذ البداية على أية حال.
“أنا آسفة، لا أستطيع فعل أي شيء بخصوص ما فعلوه بك—.”
“لا بأس، أعلم… العائلة المالكة وما إلى ذلك.” قاطعتها قبل أن تتمكن من الاعتذار.
“ما الذي حدث لك؟” سألت بعد ترددٍ، وهي تُخفض رأسها. “…ماذا تُصبح، يا آزاريا؟”
“آريا—.”
“…ما مشكلتك؟” سألت مجددًا، وهي تنظر إليّ بحدة. “…فقط انظر إلى نفسك.”
لم أُجب، بل حدّقت فيها فقط؛ كانت عيناها جميلتين حتى وهما تمتلئان بالغضب.
“أنا أتحدث إليك، يا آزاريا!!” صرخت بي بينما بقيتُ صامتًا.
“…إذًا، لا تتحدثي.” تمتمت، وأنا أشيح بنظري بعيدًا عنها.
“وما هذا الأسلوب في الحديث؟” سألت، وهي تنزلق بجسدها لتقف أمام نظري. “من تظن نفسك؟!”
“ابن الدوقة إيزميراي.” أجبتها، مما جعل نظرتها الغاضبة تزداد حدة.
“…ماذا تفعل بحياتك يا آزاريا؟” سألت، وعلى الفور شعرت بألم يخترق صدري. “أمامك حياتك بأكملها—.”
“وما الذي تعرفينه أنتِ؟!” صرخت في وجهها، وقد بلغ بي الإحباط حد الانفجار. “هاه؟ أنتِ لا تعرفين شيئًا!!”
متجاهلًا كل الآلام التي أشعر بها، ركعت أمامها مباشرة، ووجهي على بُعد إنشات من وجهها. “والآن، تريدين أن تخبريني كيف أعيش حياتي؟”
“توقف…” همست بصوت خافت، لكني تجاهلتها.
“حين التقيتكِ أول مرة، لم تكوني ترغبين حتى في الحياة… كنتِ ميّتة من الداخل.” نظراتها ازدادت حدة، لكني تابعت. “أنا من اعتقد أنكِ يجب أن تعيشي!!”
“أنا من أمسك بيدكِ حين كنتِ محاطة بالظلام!! أنا من—.”
[آزَاريا!!]
فجأة، قاطعني صوت “إيل” يصرخ داخل رأسي، وبلمح البصر أدركت ما اقترفت، وحدّقت فيها…
كانت… بالكاد تُمسك دموعها.
“آه..” تأوهت من جديد، متجاهلًا الألم، ووقفتُ مبتعدًا عنها.
[…مجرد كون ألمك حقيقيًا، لا يُبرر سلوكك، يا آزاريا.]
وماذا تريدني أن أفعل؟
أنا محطم، إيل…
أُؤذي كل من يحاول أن يحبني!!
لا أستطيع إسعاد أي منهم.
[إذًا، ومن أجل سعادتهم، قررت أن تجعلهم يبكون؟]
‘…..’
[توقف عن معاقبة نفسك بهذه الطريقة.]
‘إذًا، مَن يجب أن أُعاقب؟’
[آز—.]
‘لا أريد الحديث عن هذا، إيل، فقط… توقف.’
[لماذا؟]
تجاهلته تمامًا بينما كنت أجرّ جسدي المكسور عائدًا إلى غرفة سكني، وقبل وقت طويل، كنت واقفًا أمام باب الغرفة.
‘كليك.’
بصوت ناعم، فتح الباب ودخلت.
وفور دخولي، تأوهت وأنا أمسك بمقبض السكين المغروس في ظهري.
“آرغ..”
خرج أنين من فمي بينما سحبت السكين من جسدي.
“نِلفه.”
جَمّدتُ الدم حول جُرحي مباشرةً لإيقاف النزيف.
[انتظر، آزاريـا—.]
نبض، نبض.
“أورغه….”
عاد قلبي يخفق بألمٍ شديد، وانهارت رُكبتي، فسقطت أرضًا وأنا أمسك صدري بإحكام.
“هاه… هاه…”
بدأ جسدي يسخن بشدّة، وشعرت وكأنني أحترق من الداخل.
كان الأمر محتملاً في البداية، لكنه استمرّ في التزايد حتى بدأت بشرتي تتحول إلى اللون الأحمر.
“آرغه…”
لكن الألم لم يستمر طويلًا، إذ بدأت رؤيتي بالتشوش، وبدأ برد لا يُحتمل يكتسح جسدي.
تضاربت أسناني ببعضها بينما انخفضت درجة حرارتي، حتى بدأت بشرتي بالتجمّد.
انخفضتُ ببطء، ونظرت حولي، فقط لألاحظ أن ما كان يتجمّد لم يكن جسدي فقط؛ بل الغرفة بأكملها أصبحت متجمدة.
لكن البرد توقف فجأة، وبدأ جسدي من جديد يحترق، ومعه الغرفة كاملة.
‘ما الذي يحدث!!’
صرخت في داخلي بما تبقى لي من وعي، وفجأة، ظهرت شاشة حالة حمراء اللون أمام وجهي.
=====================================
الانسجام مع “نِلفه” يزداد.
الانسجام مع “موسبِله” يزداد.
=====================================
=====================================
قمع السلالات الدموية يضعف.
اللعنة وعلامة “؟؟؟؟؟؟؟” تضعف.
=====================================
“أواه…”
استنشقت نفسًا حادًا عندما شعرت بنظرتين تتوجهان إليّ.
إحداهما شعرت بأنها لطيفة… أما الأخرى، فمليئة بالكراهية…
حاولت يائسًا أن ألتفت حولي بينما بدأت رغبة في الركوع والاستسلام تملأ عقلي.
شعرت وكأنني أُغسل دماغيًا…
عضضت لساني، محاولًا الحفاظ على توازني العقلي…
[إنهم يراقبونك…]
‘مَن؟!’
[الآلهة….]